
حامد بن إبراهيم باحث في العلاقات الدولية 
لوبوان:
ينعقد هذه الأيام منتدى دافوس الاقتصادي وسط اضطرابات في العلاقات الدولية، أهمها تواصل الصراع الروسي الغربي في الساحة الاكرانية، والحرب التجارية الامريكية، والتصدع الأوروبي الأطلسي بسبب غرينلاند. وحرصا من الموقع على محاولة الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها واقع المنتدى، في سياق التحولات التي يعرفها المشهد السياسي الغربي، وخاصة تراجع تيار العولمة وضعف تأثير نخبه في الاحداث، نقدم في ما يلي ورقة تحليلية للخبير الدبلوماسي والباحث في العلاقات الدولية السيد حامد بن إبراهيم، وهي تتضمن تشخيصا للمنتدى واستشرافا لدوره المستقبلي.
***
المقال:
لطالما مثل منتدى دافوس رمزًا لعالم تُدار فيه الصراعات بعقلانية النخب العالمية، حيث يُتصور أن النخب قادرة على تجاوز الخلافات بفضل تشابكها، وأن الحوار قادر على التوفيق بين المصالح المتعارضة، وحتى الأزمات لا تحتاج سوى التنسيق الدولي لإدارتها. لكن مع تراكم الصدمات وعودة دور القوة، بدأت حدود هذا النموذج تتكشف. لم يعد دافوس مجرد منتدى يفقد تأثيره، بل صار نموذجًا للحكم التقني دون طابع سياسي، ويفتقر إلى التجذر التاريخي وللتأسيس المجتمعي، ويبدو أنه وصل إلى نهايته.
مشروع دافوس في سياق تاريخي
من المهم الرجوع بشيء من البنيوية التاريخية لملابسات نشأة المنتدى لفهم واقعه الراهن. تأسس المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عام 1971 على يد الألماني السويسري كلاوس شڤاب في سياق تعزيز الرأسمالية الليبرالية وترسيخ النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. وشڤاب، الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة، تأثر بشكل خاص بمناهج التخطيط الاستراتيجي والسياسة الدولية التي نقلها إليه هانري كيسنجر في هارفارد.
هذا يوضح أن دافوس لم يكن مجرد منتدى اقتصادي، بل مشروعًا لتشكيل نخبة عالمية متجانسة فكريًا، حيث يجمع التعليم الأمريكي بين السياسة والإدارة ضمن شبكة علاقات عابرة للحدود. ومن خلال برامج مثل “قادة العالم الشباب”، ربط المنتدى مسيرين من جنسيات مختلفة، من أمريكا وأوروبا إلى آسيا، وأتاحت هذه الشبكات لهم التواصل المبكر مع الشخصيات المؤثرة في السياسة والاقتصاد العالمي، مما ساهم في تكوين لغة موحدة وخلفية ثقافية مشتركة بين النخب المتنوعة.
لم يمتلك المنتدى سلطة رسمية، لكن تأثيره كان واضحًا في قدرته على اكتشاف وتدريب طبقة قيادية عابرة للحدود. ومع مرور الوقت، أصبح الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار أقل أهمية، مقابل تباينات ثقافية دقيقة لكنها غير مؤثرة في مدى الالتزام بالأجندات المعولمة. وكانت هذه النخبة تتشارك قناعة واضحة بأن الوصول لعالمية مزدهرة يجب أن ينبني حول أولوية التكوين النخبوي والحكم من خلال المعايير والقوالب الجاهزة، وتقليص دور الانتماءات الثقافية والدولة الوطنية؛ فضلا عن اضعاف ثقل السياسة واعتبارها مجالًا صِراعياً معاديا لعولمة الاعمال.
تفرقت هذه النخب على الأحزاب بمختلف توجهاتها في الغرب، لكنها انصهرت في خط ناظم واحد عنوانه تحويل الإيكولوجيا والجندرة إلى دين جديد؛ ورفض قُدسية أي خطوط حمر في التعامل مع الأخلاق والأعراف والمعتقدات. هذا النموذج ساهم في تآكل الثقة بالسياسيين وفي مصداقية الاقتراع الشعبي، وأدى لإضعاف جوهر الديمقراطية التمثيلية.
مسيرون مقابل رجال دولة
في عام 2003، خلال غزو العراق، جسّد جاك شيراك وجيرهارد شرودر نوعًا نادرًا من المعارضة الأوروبية المبنية على رؤية استراتيجية مستقلة وواضحة سياسيًا، وهو ما أصبح منعرجا تاريخيا فاصلا. فالأجيال التالية التي تولت الحكم في أوروبا، كانت نخبة دافوسية؛ وجرى تفريغ المسرح السياسي من رجال الدولة القادرين على رسم التاريخ، لصالح مسيرين يتقنون التماثل الثقافي، واستبطان القواعد الدولية والعمل ضمن الإجماع بدل تحديه، أيا كانت اثاره على الدولة. وأدل مثال في هذا السياق، دفع النخب دولها إلى الاستغناء عن الصناعة وعن الاستقلال الطاقي.
وشهدت العشرية الأخيرة نموذج التسيير الفوقي أو الحكم من الأعلى، الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين السياسيين ومجتمعاتهم. وعاشت النخب معزولة عن ناخبيها في عالم مستقر اقتصاديًا، أساسه التنقل دوليًا لخدمة أجندات فوق الدولة، متصلة بشبكات مغلقة ومُتقِنة للرموز الاجتماعية.
واعتبار النخبة أنها أكثر عقلانية وأقدر على القيادة، ولا تتحمل نفس القيود ولا تبعات قراراتها كما باقي المجتمع، خلق شعورا لدى العامة انها مُسيّرة وأن صوتها لا فعل له في الواقع. حدة هذا الأمر ظهرت خلال جائحة كورونا وتعززت أمام لامبالاة الساسة الأوروبيين بموقف الرافضين للصراع والقطيعة مع روسيا. أما إفراغ التصويت، واستطلاعات الراي من أثرها في الخيارات العامة، فقد أدى إلى تباعد بين القيادة والمواطنين، في الدول الغربية بصفة عامة. فالديمقراطية قد تصمد أمام عدم المساواة في الفرص الاقتصادية، لكنها تنهار أمام فقدان الثقة بالاقتراع الشعبي، وهو ما يكشف عن طبيعة الأزمة الحالية وصعود التيارات اليمينية المحافظة؛ والرجوع إلى اليسار الراديكالي في ثوب سيادي يلتقي أحيانًا مع اليمين.
والانطباع السلبي تجاه النخبة السياسية الغربية ليس محصورًا في الغرب، فقد أشار المسؤولون الروس منذ بداية الصراع الأوكراني إلى غياب قادة أوروبيين بمستوى نظرائهم السابقين. وذكر كل من فلاديمير بوتين ودميتري ميدفيديف، أن أوروبا تُدار من قبل مسؤولين يُنظر إليهم كمُسيرين منصهرين ضمن منظومة أكبر، وليس كصناع قرار مستقلين. ويعكس هذا التشخيص أن أزمة القيادة الأوروبية مسألة داخلية وذات أبعاد خارجية.
تراكم الإخفاقات وأزمة السرد
ترجمت أزمة الشرعية إلى إخفاقات سياسية متكررة، ففي فرنسا تزداد عزلة الحكم التقني بقيادة إيمانويل ماكرون، ويفتقد تأثيره الاجتماعي رغم سنوات طويلة من السلطة. ويظهر هذا بشكل مشابه في ألمانيا وكندا، حيث يواجه التقدميون العالميون صعوبات في الحفاظ على شرعيتهم.
وتواجه النخب الدافوسية صعوبة في تحويل خبرتها إلى سلطة فعلية، والانتقادات تأتي من جميع الاتجاهات السياسية، فهي تستهدف الهيئات البيروقراطية والتجارة الحرة والدغمائية الإيكولوجية. في قلب هذه المرحلة تكمن أزمة السرد، فقد وعدت النخب لعقود بالمزيد من الانفتاح والنمو والاستقرار، لكن الواقع فند تحقق هذه الوعود، مع ركود اقتصادي وانعدام أمان مجتمعي-ثقافي وشعور بالعجز الديمقراطي وأزمات لم يتم توقعها جيدًا.
وقد كانت الردود غالبًا تقنية بتسويق عقلاني، بينما الشعوب لا تلتحق بمشروع لمجرد كونه عقلاني، بل لأنها ترى نفسها في من يقوده، وهو ما أغفله نموذج دافوس. النخب التي عملت المؤسسات الأطلسية على صقلها لتتولى تسيير العالم في إطار منظومة منسجمة فوق الدولة، تزعزعت مصداقيتها كذلك خلال الحرب على غزة، حيث تسبب تواطؤها وتلكؤها في توصيف الأحداث في خدش نزاهتها، وفتح الباب لاتهامها بثنائية المعايير؛ لا سيما في ضوء مواقفها تجاه روسيا إثر اندلاع النزاع في اكرانيا.
هذا التراجع يتزامن مع تناقص إشعاع دافوس عالميًا نتيجة ظهور منافسات مثل منتدى فالداي الروسي، الذي أتاح مساحة أوسع لمصالح الجنوب والفاعلين الدوليين الآخرين، ما حدّ من تأثير دافوس كمنتدى عالمي مرجعي، بالإضافة إلى منتديات أخرى وازنة في آسيا والشرق الوسط.
نهاية “لحظة دافوس” وما بعدها
يظهر صعود دونالد ترامب ليس كحالة شاذة، بل كصدمة نظامية من قلب الفضاء الغربي. فلأول مرة جاءت المعارضة للنظام العالمي من الداخل وليس من الأطراف. كسَر ترامب العديد من التابوهات عندما تحدى منظومة العمل متعدد الأطراف، وأبدى تجاهلًا لبعض المؤسسات الدولية، وفضّل العلاقات الثنائية المبنية على ميزان القوة.
أدى هذا التوجه إلى تغيّر لغة الدبلوماسية والسياسات الدولية، وحلت المفاوضات المباشرة والصفقات مكان التوافقات التقليدية. وأصبح الإجماع الدافوسي أقل قدسية، واضطر المنتدى لتجاوز أجنداته السابقة تحت ضغط الجهات الرافضة للأطروحات غير المحافظة. واللافت أن الرفض جاء من الولايات المتحدة، ومن الجنوب العالمي بقيادة روسيا المنتصرة في اكرانيا، والصين التي أثبتت أنها غير قابلة للابتزاز في الحروب التجارية.
اليوم نواجه مرحلة انتقالية مفتوحة النتائج، مع احتمالات عدة تتراوح بين نظام عالمي منظم بعد العولمة، أو فوضى مجزأة، أو إعادة ترتيب تدريجي يقوم على توازن جديد بين السيادة والتعاون.
ما هو مؤكد، مشروع دافوس لم ينهار لأنه سيء بطبيعته، بل لأنه اعتقد أنه يمكن إدارة المجتمعات عبر نظم ديمقراطية صورية تقدس الشكل والأطر على حساب المشاركة الحقيقية في رسم الخيارات واتخاذ القرار. السؤال بالنسبة للنخب السياسية الأوروبية والغربية عموماً، لم يعد حول إنقاذ دافوس، بل حول القدرة على الرجوع لإدارة المجتمعات بواقعية، ومواجهة تعقيدات العلاقات الدولية، والتفاعل بنيويًا مع صراعاتها وتاريخها.
والتكنوقراطية الغربية، مدعوة للتفاعل والتأقلم، وإلا ستترك مكانها للفراغ بدل النظام؛ خاصة أمام توجهات الإدارة الأمريكية الحالية نحو تجاوز الأمم المتحدة بإنشاء نادي دولي، بديلا للأمم المتحدة.




