- فشل العدوان على إيران يدفع واشنطن لتغيير مركز الاهتمام السياسي الداخلي
- التّمترس المذهبي والعرقي يخدم مخططات التقسيم، ويصب في مصالح الغرباء عن المنطقة.
حامد بن إبراهيم/ استشاري في العلاقات الدولية 
المقال:
تبدو السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب وكأنها تتحرك عبر حلقات متتابعة من الأزمات والصراعات. غير أن قراءة أعمق قد تكشف أن هذه الحروب ليست مجرد ردود فعل ظرفية، بل قد تكون جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لأولويات الجغرافيا السياسية الأمريكية. وفي ما يلي قراءة استشرافية في إمكانية إعادة تموضع أمريكي في الشرق الأوسط، بالتركيز على سيناريو – بعضُ ملامحه بصدد التشكل- يتلخص في فتح نزاعٍٍ محدودِ الكلفة في كوبا، لتبرير إنهاء ملّف إيران المكلفِ والخطير.
هل تصبح كوبا “نافذة النجاة” من مأزق “الشرق الأوسط”
تشير بعض النقاشات المتداولة إلى احتمال تحول الحرب مع إيران إلى لحظة مفصلية في إعادة تعريف الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. ووفق هذا التصور، قد يدفع الفشل في الصراع مع إيران إلى إعادة التموضع الأمريكي بعيدًا عن المنطقة؛ وقد تصبح كوبا “نافذة النجاة” من مأزق التورط مع إسرائيل في حروبها التي لا تنتهي. وبالفعل فإن الملف الكوبي بصدد التحول إلى محورٍ جديدٍ للاهتمام الاستراتيجي الأمريكي، وتكررت تصريحات ترامب حول الموضوع في الفترة الاخيرة. ويتنزل التمشي المشار اليه في سعي واشنطن لتغيير السردية (narrative shift) وتغيير مركز الاهتمام السياسي الداخلي ((strategic diversion، للخروج من حرب إيران عبر الانخراط في ملف كوبا بأكثر حدّة.
من هذا المنظور يمكن فهم أسباب الحصار الطاقي المضروب على هافانا منذ فترة. فهذه الجزيرة الصغيرة، الواقعة فقط على بعد نحو مئة وخمسين كيلومترًا من سواحل فلوريدا، تحمل رمزية جيوسياسية تتجاوز حجمها الجغرافي. فمنذ أزمة الصواريخ عام 1962 ظلت كوبا تمثل لواشنطن عقدة وحدًا فاصلًا بين الأمن الداخلي والتهديد الخارجي. وإذا كانت واشنطن قد قبلت في فترات مختلفة بوجود نظام معادٍ لها في هافانا، فإن البيئة الدولية الحالية التي تتسم بتصاعد التنافس مع روسيا والصين قد تدفعها إلى إعادة النظر في هذا التسامح النسبي.
وترامب يكرر منذ أيام نيته تكثيف الضغوط على كوبا ولا يخفي قراره بإعادة صياغة العلاقة معها بشكل جذري حسب النموذج الفينزويلي. وقد يُقدَّم ذلك للرأي العام كإنجازٍ جيوسياسيٍّ، وهو ما يسهُل تسويقه خاصة في أوساط الشتات الكوبي في أمريكا، التّي يتصدرها كوجه سياسي روبيو وزير الخارجية. وهذا طبعا، مع احتراز حول احتمالية انفلات الوضع في كوبا، بعد تدخل امريكي وتحوُّلها إلى هاييتي جديدة.
هنا تعود إلى الواجهة روح مبدأ مونرو القائم على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالًا طبيعيًا للنفوذ الأمريكي، والذي مَفْهَمَ السياسة الخارجية الأمريكية منذ القرن التاسع عشر. وفي سياق عالمي يتجه نحو تعددية قطبية، ليس خافيا أنّ واشنطن ومنذ ولاية أوباما تميل الى تفضيل تركيز مواردها الاستراتيجية في محيطها القريب وفي مواجهة الصين؛ وترى في ذلك أكثر جدوى من الاستنزاف المستمر في أزمات الشرق الأوسط.
هذه الفرضية لا تعني بالضرورة انسحابًا أمريكيًا كاملًا من الشرق الأوسط أو غرب آسيا حسب التسمية الإيرانية، بل تشير إلى تحول تدريجي في مركز الثقل الاستراتيجي، حيث تتراجع أولوية المنطقة مقارنة بفضاءات أخرى أكثر ارتباطًا بالمجال الحيوي المباشر للولايات المتحدة.
غير أن إعادة التموضع هذه، لا يمكن فهمها بمعزل عن إيران، فتحوُّل المواجهة معها إلى صراع مكلفٍ – وهو ما يرتسم حالياّ- أو مفتوح على احتمالات غير محسوبة، قد يضع واشنطن أمام خيار استراتيجي يتمثل في تحويل هذا الصراع إلى نقطة انعطاف تبرر تقليص الوجود العسكري المباشر في المنطقة. في هذه الحالة يصبح الخطاب السياسي القائل بأن الولايات المتحدة أنجزت مهمتها في “احتواء التهديد الإيراني”، أداة لتبرير إعادة الانتشار العسكري نحو مناطق أخرى.
وعلى المستوى الاقتصادي، فقد جنت واشنطن ثمرة الحرب منذ اليوم الثاني للعدوان على إيران، وتستفيد الآن من بيع الغاز لأوروبا في غياب قطر. ونسبيا، غير متضررة من نقص الامداد لسوقها المحلي، وإن بشيء من التضخم الذي قد تعالجه من خلال الدعم أو إعفاءات ضريبية. ولا يستبعد أن تجد واشنطن سبيلا لاسترجاع نفقات الحرب من أطراف تعوّدت تحمُّل نفقات حروب أمريكا في المنطقة.
تبعات الانسحاب الأمريكي المحتمل من الاقليم
هذا التحول المحتمل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط. وإذا تراجع حضور واشنطن، ولو بشكل نسبي، فإن القوى الإقليمية الرئيسية ستجد نفسها أمام مساحة أوسع للمناورة، لكنها أيضًا أمام مسؤوليات أمنية أكبر. وفي مقدمة هذه القوى تأتي إسرائيل. فالدولة العبرية تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا وعسكريًا واضحًا مقارنة بمعظم جيرانها، إضافة إلى شبكة تحالفات دولية متينة. غير أن هذا التفوق يظل مرتبطًا بمعطيات جغرافية وديموغرافية تحدُّ من هامش المناورة. فإسرائيل دولة صغيرة المساحة، ويتركز معظم سكانها وبنيتها التحتية الحيوية في شريط ضيق على الساحل المتوسطي. هذا التشخيص يجعلها مقيدة لافتقادها “للعمق الاستراتيجي”، مقارنة بدول أكبر مساحة في المنطقة.
في هذا السياق كثيرًا ما يُشار إلى القدرات النووية الإسرائيلية بوصفها حجر الزاوية في منظومة الردع الاستراتيجية. غير أن فعالية هذا الردع تحتاج الى تدقيق بعقل بارد وبعيدا عن التهويل. فالسلاح النووي، بحكم طبيعته، صُمم أساسًا لردع التهديدات الوجودية، وليس للاستخدام في النزاعات التقليدية المحدودة. كما أن استخدامه في بيئة جغرافية ضيقة نسبيًا قد يخلق مخاطر إشعاعية، تتجاوز حدود الدولة المستهدفة لترتدّ على الطرف المستخدم نفسه. لذلك يعتمد الردع الإسرائيلي في الواقع على مزيج من التفوق التكنولوجي، والقدرات الصاروخية، والتفوق الجوي، إضافة إلى الغموض النووي الذي يترك للخصوم هامشًا واسعًا من عدم اليقين.
في المقابل تمثل إيران نموذجًا مختلفًا من حيث العلاقة بين الجغرافيا والقدرة العسكرية. فالدولة الإيرانية تتمتع بمساحة شاسعة نسبيًا وسكان يقتربون من تسعين مليون نسمة، وهو ما يوفر لها درجة من العمق الاستراتيجي لا تتوافر لمعظم دول المنطقة. هذا العمق يسمح بتوزيع المنشآت العسكرية والصناعية على مساحات واسعة، كما يتيح تطوير بنية تحتية عسكرية معقدة تشمل منشآت تحت الأرض وشبكات صاروخية بعيدة المدى. وأهم ورقة عند إيران تَعوُّد شعبها على العقوبات وقلة ارتباطها بالاقتصاد المعولم، مما يمكِّنها من الصمود طويلا خلال المواجهات.
لكن هذه المزايا لا تعني بالضرورة أن إيران قادرة على امتصاص ضربة نووية استراتيجية كبيرة دون تداعيات خطيرة. فمِثل معظم الدول الحديثة، يتركّز الجزء الأكبر من الاقتصاد والبنية التحتية الحيوية لإيران في عدد محدود من المدن الكبرى. وضرب هذه المراكز- خاصة طهران وأصفهان- قد يؤدي إلى شلل اقتصادي وسياسي واسع النطاق، حتى لو بقيت أجزاء كبيرة من الأراضي الإيرانية سليمة نسبيًا.
أما تركيا، فتُقدِّم نموذجًا ثالثًا يجمع بين عناصر القوة الجغرافية والديموغرافية والعسكرية. فموقعها عند تقاطع أوروبا وآسيا والشرق الأوسط يمنحها أهمية استراتيجية وازنة. كما أن الاقتصاد الصناعي المتطور نسبيًا يوفر قاعدة صلبة لمراكمة القدرات العسكرية. وقد استثمرت أنقرة خلال العقدين الماضيين بكثافة في الصناعات الدفاعية المحلية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الحرب الإلكترونية.
وفي حال تراجع الحضور الأمريكي المباشر في الشرق الأوسط، قد تجد تركيا نفسها أمام فرصة لتوسيع نفوذها الإقليمي، لكنها ستواجه في الوقت ذاته معادلة معقدة تجمع بين التنافس مع إيران والتنسيق البراغماتي معها في بعض الملفات، خاصة الاشتراك في الخطر الكردي وحتمية مواجهته جبهويا. فكلتا الدولتين تمتلكان عمقًا جغرافيًا وسكانيًا كبيرًا مقارنة بمعظم دول المنطقة، وهو ما يمنحهما قدرة أكبر على تحمل الضغوط والصراعات. وتبقى نسبة قطاع الخدمات في الاقتصاد نقطة ضعف أنقرة، إذ يشكل هشاشة ونقطة استنزاف في المواجهات الطويلة. وهذا ما تبينه حالة دبي خلال المواجهة الدائرة حاليا.
هنا يظهر بوضوح التفاعل بين ثلاثة عناصر أساسية في الجيوبوليتيك الإقليمي: الجغرافيا، والديمغرافيا، والتكنولوجيا العسكرية. فالدول الصغيرة جغرافيًا لكنها متقدمة تكنولوجيًا قد تحقق تفوقًا عسكريًا نوعيًا، لكنها تظل أكثر حساسية للصدمات الاستراتيجية. في المقابل توفر المساحة الواسعة والكتلة السكانية الكبيرة قدرة أكبر على الصمود، لكنها لا تضمن بالضرورة التفوق العسكري، إذا لم تقترن بقاعدة صناعية وتكنولوجية متطورة.
ولا يمكن فهم أي إعادة تموضع أمريكي محتملة في الشرق الأوسط بمعزل عن العامل الصيني. فمنذ أكثر من عقد أخذت الاستراتيجية الأمريكية تميل تدريجيًا إلى تركيز ثقلها العسكري والاقتصادي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يتصاعد التنافس مع بكين على النفوذ والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية. في هذا السياق، قد يُنظر إلى تقليص الانخراط المباشر في أزمات الشرق الأوسط بوصفه جزءًا من إعادة توزيع الموارد الاستراتيجية نحو المسرح الآسيوي الذي أصبح يُعدّ التحدي الأكبر للهيمنة الأمريكية.
والصين لا تنافس واشنطن فقط اقتصاديًا، بل تعمل أيضًا على توسيع حضورها البحري والتجاري عبر مبادرات مثل الحزام والطريق (الذي يرتبط وجوديا إيران)، وتعزيز علاقاتها مع قوى إقليمية في آسيا والشرق الأوسط. ومن ثمّ فإن أي تخفيف للعبء الاستراتيجي في الإقليم قد يندرج ضمن محاولة أمريكية لإعادة تركيز الجهد في مواجهة هذا الصعود المتسارع.
وختاما، إذا صحت الفرضية ولجأ ترامب الى التركيز على هافانا كنافذة نجاة من مأزق إيران، قد يتجه ميزان القوى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة نحو نموذج أكثر تعددية؛ حيث تتقاسم عدة قوى إقليمية النفوذ بدل الاعتماد على مظلة أمنية خارجية واحدة. وفي حال تحقق هذا التحول، فإن الشرق الأوسط سيدخل مرحلة جديدة تتحدد فيها موازين القوى بدرجة أكبر من خلال تفاعل الجغرافيا والديمغرافيا والتكنولوجيا العسكرية بين القوى الإقليمية نفسها، خاصة إذا ما استوعبت الدول الفاعلة أن التّمترس المذهبي والعرقي لا يخدم إلا مخططات التقسيم والتفرقة، ويصُبّ في مصالح الغرباء عن المنطقة.





