أحداث

تونس ودول مجلس التعاون الخليجي: ديبلوماسية التوازن في زمن العواصف

تونس-لوبوان-كتب سفيان رجب

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تعود الديبلوماسية التونسية لتؤكد ثوابتها التاريخية القائمة على الاعتدال، واحترام السيادة، والانحياز إلى منطق السلم. اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي بسفراء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية المعتمدين في تونس (المملكة العربية السعودية، سلطنة عمان، الكويت، قطر، البحرين والامارات العربية المتحدة)، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل رسالة سياسية واضحة في توقيت حساس تعيش فيه منطقة الشرق الأوسط على وقع توترات متصاعدة، خاصة في ظل الحرب الدائرة حول إيران وانعكاساتها المباشرة على أمن الخليج واستقرار المنطقة ككل.

موقف مبدئي ضد الحرب… وضد الاعتداء

الموقف التونسي، كما عبّر عنه الوزير، يقوم على معادلة دقيقة: رفض الحرب كخيار لحل النزاعات، وفي الآن ذاته رفض أي اعتداء يستهدف دول الخليج أو يمسّ بسيادتها. هذا التوازن يعكس تقاليد ديبلوماسية تونسية راسخة منذ الاستقلال، تقوم على عدم الانخراط في محاور، مع الدفاع الصريح عن الشرعية الدولية.

ففي سياق التوترات الحالية، تبدو تونس حريصة على تجنب منطق الاستقطاب، لكنها في المقابل لا تقف على الحياد السلبي، بل تعبّر بوضوح عن تضامنها مع الدول الشقيقة كلما تعرّضت لتهديدات تمس أمنها أو استقرارها. وهو موقف يجد صداه في تقدير سفراء دول الخليج الذين أكدوا أهمية هذا الدعم السياسي في ظرف إقليمي دقيق.

علاقات استراتيجية تتجاوز الظرفي

العلاقات بين تونس ودول الخليج ليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني. فقد شكلت دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ودولة الكويت وسلطنة عمان، سندا مهما لتونس في فترات مختلفة، سواء عبر الاستثمارات أو المساعدات المالية أو دعم المشاريع التنموية اواستقطاب اليد العاملة حيث احتضنت هذه الدول جالية تونسية هامة، حظيت على الدوام بإحاطة وتقدير، وهو ما أشار إليه الجانب التونسي خلال اللقاء، في تأكيد على البعد الإنساني للعلاقات الثنائية.

سفراء الخليج في تونس: دبلوماسية اقتصادية بلا تدخل

في هذا السياق، يبرز دور سفراء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية المعتمدين في تونس كحلقة محورية في تعزيز التعاون الثنائي، ليس فقط على المستوى السياسي، بل خاصة في دفع عجلة الاستثمار والشراكة الاقتصادية. فقد اضطلع هؤلاء الدبلوماسيون خلال السنوات الأخيرة بدور فاعل في تقريب وجهات النظر بين الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع رجال الأعمال، وفتح قنوات جديدة للتعاون في مجالات حيوية مثل البنية التحتية والطاقة والسياحة والتعليم والاستثمار في المجال الصحي…

ويكتسي هذا الدور أهمية خاصة لكونه يقوم على مبدأ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يعزز الثقة بين الجانبين ويمنح العلاقات التونسية الخليجية طابعا مستقرا ومستداما. فالدبلوماسية هنا لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تتحول إلى أداة لدعم التنمية وخلق فرص اقتصادية حقيقية.

ديبلوماسية واقعية في عالم متغيّر

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تدرك تونس أن الحفاظ على توازن علاقاتها الخارجية لم يعد خيارا بل ضرورة. فهي من جهة تحتاج إلى تعزيز شراكاتها مع دول الخليج، باعتبارها فضاء اقتصاديا واستثماريا واعدا، ومن جهة أخرى تسعى إلى الحفاظ على استقلالية قرارها السيادي وعدم الانجرار إلى صراعات المحاور.

هذا التموقع يمنح الديبلوماسية التونسية مصداقية خاصة، ويجعلها قادرة على لعب أدوار توفيقية، خاصة وأن خطابها قائم على احترام القانون الدولي والدعوة إلى الحوار كسبيل وحيد لتجاوز الأزمات.

تونس… صوت السلام في زمن التصعيد

في خضم التصعيد الإقليمي، تواصل تونس التمسك بخطها الديبلوماسي القائم على الدعوة إلى التهدئة ورفض منطق القوة. فهي تدرك أن أي انفجار واسع في منطقة الخليج لن تكون تداعياته محلية فحسب، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وصولا إلى الاستقرار السياسي في عدة مناطق.

من هذا المنطلق، تبدو تونس حريصة على توجيه رسائل مزدوجة: رفض الحرب بكل أشكالها، وفي الوقت ذاته الدفاع عن أمن الدول الشقيقة ورفض أي اعتداء عليها. إنها ديبلوماسية تحاول التوفيق بين المبادئ والمصالح، بين الأخلاق السياسية وواقعية العلاقات الدولية.

في النهاية، يبرز هذا اللقاء كحلقة جديدة في مسار شراكة متينة بين تونس ودول الخليج، شراكة مرشحة لمزيد من التطور في ظل التحديات المشتركة، وحاجة المنطقة إلى أصوات عاقلة تدفع نحو الاستقرار وأمن وسلامة الدول الصديقة والشقيقة ومنع الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة لا تعرف عواقبها ولا مآلاتها التي يمكن ان تمس وتضر الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى