في لحظات التحول الكبرى في الاقتصاد العالمي، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من موارد فقط، بل بقدرتها على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. واليوم يقف العالم أمام إعادة ترتيب واسعة لسلاسل الإنتاج والاستثمار، حيث تبحث أوروبا عن شركاء قريبين وآمنين، وتسعى الشركات العالمية إلى نقل جزء من صناعاتها إلى مناطق أكثر استقرارًا وقربًا من الأسواق.
في هذا السياق، تقف تونس في موقع جغرافي يكاد يكون استثنائيًا: على مرمى ساعات من أوروبا، وعلى بوابة أفريقيا، وفي قلب البحر الأبيض المتوسط. غير أن المفارقة الصادمة أن هذا الموقع الذي يمكن أن يحول البلاد إلى منصة اقتصادية إقليمية كبرى ما يزال أسير منظومة إدارية بطيئة، وقوانين مالية عفا عليها الزمن، واقتصاد مغلق تحكمه الامتيازات والاحتكارات.
الاقتصاد العالمي لا ينتظر المترددين. الاستثمارات الدولية تتحرك بسرعة نحو الدول التي توفر وضوح القواعد وسرعة الإجراءات. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تملك تونس المقومات؟ بل: هل تملك الشجاعة السياسية لتحرير هذه المقومات؟
أول معركة حقيقية يجب أن تُخاض هي معركة الدولة الرقمية. فالبيروقراطية التي تستهلك وقت المستثمر وتغرقه في الإجراءات الورقية لم تعد مجرد مشكلة إدارية، بل أصبحت كلفة اقتصادية مباشرة تدفع المستثمرين إلى اختيار وجهات أخرى. في الاقتصادات الجاذبة للاستثمار، يمكن تأسيس شركة في ساعات، بينما ما تزال الإجراءات في كثير من الحالات في تونس تستنزف أسابيع وربما أشهرًا. إن التحول الرقمي الشامل لم يعد خيارًا إصلاحيًا، بل ضرورة اقتصادية عاجلة.
المسألة الثانية لا تقل أهمية: الإطار النقدي والمالي. إن استمرار القيود الثقيلة على حركة رأس المال يمثل أحد أكبر العوائق أمام جذب الاستثمار الخارجي. فالمستثمر الدولي يحتاج إلى وضوح في قواعد تحويل الأموال والأرباح، ويبحث عن بيئة مالية مرنة تسمح له بإدارة استثماراته دون تعقيدات بيروقراطية. تحديث منظومة الصرف ليس تنازلًا عن السيادة الاقتصادية، بل خطوة أساسية لإعادة إدماج الاقتصاد التونسي في الدورة المالية العالمية.
لكن المشكلة الأعمق تكمن في بنية الاقتصاد ذاته. فاقتصاد الامتيازات والرخص والاحتكارات لا ينتج الثروة، بل يعيد توزيعها داخل دوائر ضيقة. الاقتصاد الحقيقي يقوم على المنافسة، وعلى فتح الأسواق أمام المبادرة والابتكار. كسر الاحتكارات ليس شعارًا شعبويًا، بل شرط أساسي لبناء اقتصاد حديث قادر على النمو وخلق فرص العمل.
أما قطاع السياحة، الذي طالما اعتُبر رئة الاقتصاد التونسي، فهو بدوره بحاجة إلى ثورة في الرؤية لا مجرد تحسينات سطحية. فالسياحة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعتمد فقط على الشمس والبحر، بل على جودة التجربة الكاملة: من المطار إلى النقل، ومن نظافة المدن إلى مستوى الخدمات. الدول التي تفوز في المنافسة السياحية هي تلك التي تدير قطاعها السياحي بعقلية صناعة استراتيجية لا مجرد نشاط موسمي.
إن الحقيقة التي يجب مواجهتها بوضوح هي أن تونس لا تعاني من نقص في الإمكانات. فهي تمتلك رأس مال بشريًا متعلمًا، وموقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، وقربًا فريدًا من الأسواق الأوروبية، إضافة إلى عمقها الأفريقي الواعد. ما تعانيه تونس في جوهره هو بطء الإصلاح وغياب القرارات الاقتصادية الجريئة.
العالم اليوم يعيد رسم خريطته الاقتصادية بسرعة. ودول عديدة في المنطقة تتحرك بقوة لجذب الاستثمارات وبناء مراكز مالية وصناعية جديدة. في مثل هذا السياق، لا مكان للاقتصادات المترددة.
إن اللحظة الراهنة تمثل فرصة تاريخية حقيقية لتونس. إما أن تتحول إلى مركز اقتصادي متوسطي يربط أوروبا بأفريقيا، أو أن تبقى عالقة في حلقة الاقتصاد البطيء الذي يكتفي بإدارة الأزمات بدل صناعة النمو.
والدرس الذي يؤكده التاريخ الاقتصادي دائمًا واضح وصريح: الدول لا تنهض لأن الفرص قليلة، بل لأنها تمتلك الشجاعة الكافية لاقتناصها قبل أن يفعل الآخرون.
ريم بالخذيري






