
لم يعد دونالد ترامب مجرد سياسي شعبوي مثير للجدل، بل تحول الى ظاهرة سياسية وثقافية عابرة للمؤسسات، تختزل في شخصه مزيجا من النرجسية، وهوس السيطرة، واستعراض القوة، في زمن يشهد تصدعا عميقا في النظام الدولي. فمواقفه الاخيرة، سواء في حملاته الانتخابية او في تصريحاته الاعلامية، تكشف بوضوح تصورا للعالم يقوم على الهيمنة لا الشراكة، وعلى الاستفزاز لا الدبلوماسية، وعلى شخصنة السلطة لا مؤسساتها.
منذ عودته القوية الى واجهة المشهد السياسي، اعاد ترامب انتاج خطابه القديم بصيغة اكثر تطرفا. يتحدث عن الولايات المتحدة بوصفها مركز الكون، وعن نفسه باعتباره المحرك الحقيقي لهذا الكون. لا يخفي اعجابه بالسلطة المطلقة، ولا يتردد في الاشادة بنماذج الحكم السلطوي، ما دام الحاكم قويا و”يحكم بقبضة من حديد”. في هذا السياق، تصبح الديمقراطية مجرد اداة، والدستور عقبة، والمؤسسات عبئا يجب ترويضه.
مشاريع ترامب السياسية، كما تظهر في خططه ووعوده وبرامجه، تحمل في جوهرها نزعة احتلالية حديثة. ليس احتلالا عسكريا بالمعنى الكلاسيكي فقط، بل سيطرة اقتصادية، وابتزازا سياسيا، وفرض شروط بالقوة على الحلفاء قبل الخصوم. من حلف شمال الاطلسي الى الصين، ومن المكسيك الى الشرق الاوسط، ينظر ترامب الى العالم كسوق مفتوحة او ساحة صراع، لا كمنظومة توازنات دقيقة.
خطابه حول فلسطين ومستقبلها، غرينلاند، أوروبا، الهجرة، والتجارة، والمناخ، وحتى الحروب، يقوم على منطق “انا او الفوضى”. هو لا يقدم حلولا بقدر ما يلوح بالتهديد. لا يبني تحالفات بقدر ما يطالب بالولاء. وهذا ما يجعل كثيرين يرون فيه تجسيدا لمرحلة انحدار الخطاب السياسي الاميركي، حيث تختلط القوة بالاستعراض، والسياسة بالاعلام، والقرار بالنزوة.
لكن شخصية ترامب لا تتجلى فقط في تصريحاته، بل ايضا في رمزيته البصرية. القبعة الشهيرة، العبارات المكتوبة بخط عريض على الملابس، الشعارات الاستفزازية، كلها ليست تفاصيل عابرة. انها جزء من استراتيجية تواصل مدروسة، تقوم على تبسيط العالم الى ثنائيات: نحن وهم، رابحون وخاسرون، وطنيون وخونة. الكتابة على القبعة او القميص تتحول الى بيان سياسي متنقل، واللباس الى منصة خطاب.
حين يكتب ترامب على قبعاته وقبعات انصاره او ملابسه شعارات القوة والعظمة، فهو لا يخاطب العقل بقدر ما يستنفر الغرائز. يخلق شعورا بالانتماء الى جماعة “مختارة”، ترى في زعيمها تجسيدا للقوة المفقودة، وتغفر له كل تناقضاته واخفاقاته. في هذا المعنى، يصبح ترامب اقرب الى زعيم حركة شعبوية عاطفية منه الى رجل دولة تقليدي.
اخطر ما في شخصية ترامب ليس تصريحا استفزازيا هنا او هناك، بل قناعته العميقة بانه فوق المحاسبة. يعتبر نفسه “سيد الكون” ليس على سبيل المزاح، بل كتصور ذهني يعكس علاقته بالسلطة والعالم. هو لا يرى نفسه جزءا من نظام دولي، بل حاكما له. لا يعترف بالحدود الا حين تخدم مصالحه، ولا بالقوانين الا حين تحميه.
في عالم مضطرب، يجد هذا الخطاب صدى لدى فئات خائفة، غاضبة، تشعر بانها فقدت السيطرة على مصيرها. وهنا تكمن قوة ترامب الحقيقية: قدرته على تحويل الازمات المعقدة الى حكاية بسيطة، بطلها واحد، وعدوها واضح، وحلها سهل في الظاهر، كارثي في العمق.
ترامب، في النهاية، ليس استثناء، بل علامة. علامة على زمن تتراجع فيه السياسة العقلانية، ويصعد فيه زعماء يصنعون الواقع بالكلمات، ويعيدون تشكيل العالم بالاستفزاز، لا بالحكمة.





