أراء
أخر الأخبار

ترامب يكرر ما فعله بوش في بنما قبل 37 عاما …اختطاف مادورو قرصنة كاملة الأوصاف…

لوبوان تي ان :

في مهزلةٍ مُهينة ذات طابعٍ قانونيٍّ زائف، قامت أجهزة الأمن الأميركية يوم الاثنين بجرّ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس إلى محكمةٍ فيدرالية في مانهاتن كجزء من أدوات الضغط الشامل على القيادة الفنزويلية، فيما قال الزعيم البوليفاري، في أول تصريح علني له بعد أن اختطفته القوات الأميركية: «أنا رئيس فنزويلا وأعتبر نفسي أسير حرب. لقد أُسرت في منزلي في كاراكاس» وأنا مختطف من الثالث من جانفي”.
ولم يسمح له القاضي ألفين ك. هيلرستين، البالغ من العمر 92 عاماً إلا ببضع كلمات قبل أن يقاطعه، قائلاً بحدّة: «سيكون هناك وقت ومكان للخوض في كل هذا».

استغرقت جلسة المحاكمة ما يزيد قليلاً على 35 دقيقة. وقد دفع كلاهما ببراءته. وأعلن محامي الدفاع باري بولاك، الذي سبق أن مثّل مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج، أنه سيطعن في قانونية «الاختطاف العسكري» لموكله. وقال إن مادورو «رئيس دولة ذات سيادة ويتمتع بالامتيازات التي تترتب على ذلك».
وقد ظهرت على فلوريس آثار العنف الذي مورس ضدها أثناء عملية الاختطاف. فقد ذكرت صحيفة التلغراف البريطانية أن فلوريس «كانت تعاني من كدمات واضحة على وجهها — إحداها بحجم كرة الغولف على جبينها — واحمرار في خديها، وما بدا وكأنه تورم فوق عينها اليمنى». وقال محاميها مارك دونيلي للمحكمة إنها تعرضت «لإصابات خطيرة أثناء اختطافها»، وطلب من القاضي الإذن بإجراء صورة أشعة لمعرفة ما إذا كانت أضلاعها قد تعرضت للكسور.
وفي اليوم السابق، تم استعراض مادورو في شوارع نيويورك داخل شاحنة بأبواب مفتوحة. ويُعدّ هذا بحد ذاته جريمة حرب بموجب القانون الدولي، لأنه يندرج تحت حظر «الاعتداء على الكرامة الشخصية، ولا سيما المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة».
وكان اسم مادورو كان ظهر في لائحة اتهام أميركية جديدة أعلنتها وزارة العدل الأميركية، السبت الماضي، وضمّت إلى جانبه، زوجته وأربعة أشخاص آخرين، من بينهم نجله ووزير الداخلية ديوسدادو كابيو. وتتضمن اللائحة الجديدة اتهامات بـ«التآمر لارتكاب إرهاب مخدّرات، والتآمر لاستيراد الكوكايين، والتآمر لحيازة رشاشات وأجهزة مدمّرة، والتآمر لاستخدام تلك الأسلحة».

والجدير ذكره، هنا، أن النسخة الأصلية من اللائحة كانت قد قُدّمت ضد مادورو في عام 2020، وأن الادّعاء الأميركي أدرج اسم زوجته، حديثاً، فيها، متّهماً إياها بضلوعٍ مزعوم في «تنسيق الاجتماعات واللوجستيات لصالح الشبكة»، في مؤشّر إلى مواصلة واشنطن أسلوب التضييق القانوني، كجزء من أدوات الضغط الشامل على القيادة الفنزويلية.
إن المحكمة الفيدرالية في مانهاتن التي مثل أمامها مادورو هي نفسها المحكمة التي مثل فيها جيفري إبستين، المقرّب من ترامب، عند توجيه الاتهام إليه عام 2019. وقد قُتل إبستين في السجن في 10 آب/أغسطس 2019 فيما تصفه حكومة ترامب بأنه انتحار.
ويُحتجز مادورو وزوجته حالياً في مركز الاحتجاز المتروبوليتاني في بروكلين — وهو نفس السجن الذي احتُجز فيه سابقاً الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هرنانديز، والذي أصدر ترامب عفواً عنه قبل أسابيع فقط رغم إدانته بتهريب 400 طن من الكوكايين إلى الولايات المتحدة.
الاتهامات الموجّهة إلى مادورو ليست مقصودة لكي يصدّقها أحد. لم يُختطف مادورو لأنه يتاجر بالمخدرات، بل اختُطف لأن بلاده تقوم فوق أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم — 303 مليارات برميل — ولأن ترامب يريد هذه الثروة. وقد قال ترامب ذلك بنفسه في المؤتمر الصحفي يوم السبت الماضي ” سنُدخل شركات النفط الأميركية الضخمة جداً، الأكبر في أي مكان في العالم، لتنفق مليارات الدولارات… وتبدأ في جني الأموال لصالح البلاد”
وأفاد موقع صحيفة ذا هِل الأميركية يوم الاثنين أن ترامب أبلغ شركات النفط بالهجوم على فنزويلا قبل وقوعه، من دون إخطار الكونغرس، ناهيك عن الشعب الأميركي. وكتب الموقع: «سأل الصحفيون الرئيس على متن الطائرة الرئاسية عمّا إذا كان قد تحدث مع شركات النفط الأميركية لتحذيرها مسبقاً قبل» الهجوم. فأومأ ترامب برأسه وقال إنه تحدث إلى الشركات “قبل العملية وبعدها”. وأضاف ترامب: “وهم يريدون الدخول، وسيقومون بعمل رائع من أجل شعب فنزويلا، وسيمثلوننا تمثيلاً جيداً””.
وقال دونالد ترامب يوم السبت إن الولايات المتحدة ستقوم الآن «بإدارة» فنزويلا عبر حكومة انتقالية تقودها رودريغيز، بينما تُستكمل التحضيرات لدخول شركات النفط الأميركية والبدء بالاستخراج.

وأضاف ترامب، في حديثه عن رودريغيز التي كانت قد خضعت لعقوبات أميركية خلال ولايته الأولى بسبب دورها في تقويض الديمقراطية الفنزويلية، أنها «مستعدة أساسًا للقيام بما نعتقد أنه ضروري لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى». وقد أصدرت حكومة ترامب قائمة مطالب إلى الرئيسة المؤقتة لفنزويلا دلسي رودريغيز، التي أدّت اليمين يوم الاثنين بعد اختطاف مادورو.

ووفقاً لموقع صحيفة بوليتيكو الأميركية، طالب المسؤولون الأميركيون رودريغيز بوقف بيع النفط إلى خصوم الولايات المتحدة»، وهدّد ترامب رودريغيز في مقابلة مع ذا أتلانتيك قائلاً: «إذا لم تفعل ما هو صحيح، فسوف تدفع ثمناً كبيراً جداً، ربما أكبر من مادورو” وقد كرر ترامب يوم الثلاثاء هذا التهديد.
كانت رودريغيز قد ردّت في البداية على احتجاز مادورو بنبرة متحدّية، معلنة يوم السبت أن «هناك رئيساً واحداً فقط في هذا البلد، واسمه نيكولاس مادورو»، ومندّدة بالعملية الأميركية بوصفها «همجية». وطالبت الولايات المتحدة بإطلاق سراحه وزوجته، لكنها بحلول يوم الأحد اعتمدت نبرة أكثر تصالحية، فنشرت على إنستغرام أن فنزويلا تسعى إلى «التعايش السلمي»، ودعت الحكومة الأميركية «إلى التعاون معنا على جدول أعمال للتعاون”.
وراجت أنباء عن وجود مؤامرة للتخلص من مادورو شاركت فيه قطر وقالت صحيفة التلغراف البريطانية أن القطريين استضافوا اجتماعات سرية لترتيب الإطاحة  بالرئيس الفنزويلي . وأوضحت الصحيفة أن هذه المؤامرة رسمت في قاعة اجتماعات في الدوحة، على بُعد نحو 7500 ميل من كراكاس، وكان مسؤولون يناقشون مستقبل فنزويلا من دون نيكولاس مادورو، ديكتاتورها.
وكان أحد كبار أفراد العائلة الحاكمة القطرية يقوم بدور الوسيط بين النظام ودونالد ترامب، في وقت كان فيه الرئيس الأميركي يبني ذراع ضغط عسكرية لإجبار الزعيم الفنزويلي على الاستسلام. لكن مادورو لم يكن جزءًا من هذه الاجتماعات السرية في الدوحة، بل تولّت قيادتها نائبته ديلسي رودريغيز، وشقيقها خورخي.
وبحسب صحيفة ميامي هيرالد الأميركية، التي تتمتع بشبكة علاقات قوية في أميركا اللاتينية، فإن رودريغيز تواصلت مع واشنطن لتقديم نفسها بوصفها بديلًا «أكثر قبولًا» من نظام مادورو. وهي تحكم فنزويلا الآن بموافقة ترامب. تفاصيل الاجتماع غذّت الشكوك بأن إزاحة مادورو كانت عملية من الداخل، خُطِّط لها للإبقاء على رئيس قادر على إدارة مرحلة انتقالية من دون تفكيك الدولة بالكامل، وما قد يسببه ذلك من فوضى واضطرابات. وكما ورد في تقارير أكتوبر الماضي عن الاجتماع، فإن رودريغيز تعرض «مادورية من دون مادورو»، أي نوعًا من «نظام مخفف».
وفي يوم الأحد، قال فرانسيسكو سانتوس كالديرون، نائب الرئيس الكولومبي السابق، إن العملية برمتها لإزاحة مادورو كانت مهمة من الداخل، وبمساعدة رودريغيز. وأكد سانتوس أنه «متأكد تمامًا» من أن رودريغيز خانت مادورو عبر السماح للولايات المتحدة باعتقاله من دون مقاومة تُذكر. وقال سانتوس، الذي شغل سابقًا منصب سفير كولومبيا لدى واشنطن: لم يقوموا بإزالته، بل سلّموه. واضاف “أنا متأكد تمامًا أن ديلسي رودريغيز سلّمته. كل المعلومات التي لدينا، عندما تجمعها معًا، تقول: آه، كانت هذه عملية تسليم. من الواضح أنهم كان عليهم تهيئة المسرح. الرئيس ترامب يقول إن ديلسي هي التي ستقود المرحلة الانتقالية، إذن ديلسي هي من ستقودها. هي واضحة جدًا بشأن الدور الذي ستلعبه، وستحاول أن تكسب قدرًا من الاستقلالية».
ونشرت وزارة الخارجية الأميركية صورة لترامب وهو يعلن: «هذا نصف كرتنا الأرضية». وتدّعي الإمبريالية الأميركية ملكية أميركا اللاتينية بأكملها (إلى جانب كندا)، موضحة أنها ستختطف أو تقتل كل من يقاوم، في عودة إلى الاستعمار العاري.

وبينما كان مادورو يعلن براءته في قاعة محكمة في مانهاتن، كان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يعقد جلسة طارئة على بُعد أميال قليلة إلى الشمال، حيث اتّضح حجم ما أطلقته إدارة ترامب. لم يكن هذا مجرد انتهاك فاضح للقانون الجنائي الأميركي وللقانون الدولي، بل كان عملاً حربياً يستهدف العالم بأسره.

كان الجو في الأمم المتحدة جو أزمة. أي دولة ستكون التالية؟ الاتحاد الأوروبي؟ روسيا؟ كندا؟ كولومبيا؟ كوبا؟ الصين؟ في الشهر الماضي وحده، وجّه ترامب تهديدات مباشرة إلى ما لا يقل عن ست دول أعضاء في الأمم المتحدة.

واتهم سفير فنزويلا لدى الأمم المتحدة صموئيل مونكادا الولايات المتحدة بمهاجمة فنزويلا في محاولة للسيطرة على مواردها النفطية — «وهي خطوة تُعيد إلى الأذهان أسوأ ممارسات الاستعمار والاستعمار الجديد».

وقال ممثل كولومبيا: «لا يوجد أي مبرر على الإطلاق، وتحت أي ظرف، للاستخدام الأحادي للقوة لارتكاب عمل عدواني. مثل هذه الأفعال تشكّل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة…».

وأضاف ممثل الصين: «إن الصين مصدومة بشدة وتدين بقوة الأفعال الأحادية وغير القانونية والمتنمّرة التي تقوم بها الولايات المتحدة».

أما الاقتصادي جيفري ساكس، الذي دُعي لإحاطة مجلس الأمن، فوضع الهجوم في سياقه قائلاً: «خلال العام الماضي، نفّذت الولايات المتحدة عمليات قصف في سبع دول، لم يكن أي منها مصرحاً به من مجلس الأمن، ولم يُنفَّذ أيٌّ منها في إطار الدفاع المشروع عن النفس وفقاً للميثاق». وأضاف: «تشمل الدول المستهدفة إيران، والعراق، ونيجيريا، والصومال، وسوريا، واليمن، والآن فنزويلا».

واستعرض ساكس تاريخ عمليات تغيير الأنظمة الأميركية ضد فنزويلا: محاولة الانقلاب المدعومة أميركياً عام 2002، وتمويل الاحتجاجات المناهضة للحكومة عام 2014، والعقوبات الخانقة التي خفّضت إنتاج النفط بنسبة 75 في المئة، والناتج المحلي الحقيقي للفرد بنسبة 62 في المئة، والاعتراف الأحادي بخوان غوايدو «رئيساً مؤقتاً» عام 2019، والاستيلاء على أصول سيادية فنزويلية بقيمة 7 مليارات دولار.

وقال ساكس: «يُطلب من أعضاء مجلس الأمن الدفاع عن القانون الدولي، وبخاصة ميثاق الأمم المتحدة. ولا يُطلب منهم أن يحاكموا نيكولاس مادورو».

ومع ذلك، وبينما انهالت الإدانات من أنحاء العالم، احتفت الصحافة الأميركية بعمل السطو الإمبريالي. فقد هاجمت هيئة تحرير وول ستريت جورنال المملوكة لروبرت ميردوخ وعائلته ما سمّاه «وهم القانون الدولي في فنزويلا»، معلناً أن «الأنظمة المارقة تستخدمه الآن درعاً لحماية خروقاتها الخاصة للقانون». وخلصت الصحيفة إلى أن «إظهار جرأة الولايات المتحدة وقوتها العسكرية سيفعل أكثر من ألف قرار للأمم المتحدة لحماية العالم الحر».

وكانت هيئة تحرير واشنطن بوست المملوكة للملياردير صاحب أمازون، بيزوس بالجرأة نفسها، إذ أعلن عنوانه: «اعتقال مادورو يفضح أوهاماً قانونية»، مع عنوان فرعي يقول: «الإدارة تلفّق تبريراً قانونياً لهدف في السياسة الخارجية. وهذا مقبول». وصرّحت الصحيفة صراحة بأن القانون الدولي «خيال قانوني».

وتشكّل هذه الافتتاحيات اعترافاً علنياً بأن ما نفذته الولايات المتحدة كان جريمة، مقروناً بإعلان أن القوة العسكرية الأميركية تضعها فوق القانون.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إنه «قلق بعمق من أن قواعد القانون الدولي لم تُحترم». لكن مثل هذه التصريحات لن توقف اندفاعة ترامب العسكرية العالمية.

وقد عرض الرئيس ترامب مجموعة من المبررات لطموحاته العدوانية والمتحمسة في فنزويلا وغرينلاند ولاعبين آخرين في نصف الكرة الغربي.

لكن خيطاً واحداً يربط بينها جميعاً: أنها تمتلك كثيراً من المعادن الحيوية الضرورية للذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع — وبالتالي للهيمنة العالمية في المستقبل. وخلال يومين فقط من خطف زعيم فنزويلا، بدأ مسؤولو حكومة ترامب والمحللون الماليون يتحدثون عن الثروة المعدنية الهائلة التي تمتلكها البلاد.

إلى جانب استغلال احتياطيات النفط الضخمة في فنزويلا، يقول المسؤولون إن استخراج المعادن الأرضية النادرة في البلاد يمكن أن يساعد في استقرار ماليتها، وأن يمكّن الولايات المتحدة من تقويض القبضة الصينية العالمية على هذه الموارد الثمينة التي تحتاجها صناعة الرقائق.

السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو ما الذي يعنيه اختطاف مادورو لمكانة الصين لدى شركائها حول العالم. فقد كانت فنزويلا أكبر متلقٍ للقروض والمنح الرسمية الصينية في أميركا الجنوبية، إذ تلقت نحو 106 مليارات دولار بين عامي 2000 و2023. وقد ذهب جزء كبير من ذلك إلى مشاريع البنية التحتية الفنزويلية، ولا سيما في مجال إنتاج الطاقة. وفي السنوات الأخيرة، حوّلت الصين تركيزها إلى إعادة هيكلة الديون بسبب متاعب فنزويلا الاقتصادية. كما أصبحت الصين لا غنى عنها باعتبارها واحدة من الدول القليلة التي تتحدى العقوبات الأميركية. وعلى الرغم من أن الصين تحصل على نحو 5٪ فقط من وارداتها النفطية من فنزويلا، فإن هذا يكفي ليمثل نحو 80٪ من الطلب الدولي على الخام الفنزويلي.

وقال وزير التجارة هوارد لَتنِك للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية مع الرئيس ترامب في وقت متأخر من مساء الأحد: “لديك فولاذ، لديك معادن، كل المعادن الحيوية». وأضاف: «لديهم تاريخ عظيم في التعدين لكنه صدئ الآن” وقال لَتنِك إن ترامب «سيُصلحه ويعيده — من أجل الفنزويليين”.

لكن استعراض القوة هذا سيعود أيضاً بالنفع على الشركات الأميركية التي بدأت بالفعل بالتواصل مع حكومة ترامب بشأن فرص الأعمال في فنزويلا. وكان المحللون الماليون يوم الاثنين يروّجون لإمكانات الاستثمار في قطاع التعدين هناك.

ولا شيء مؤكداً بشأن الحوكمة في فنزويلا أو فرص الأعمال فيها بعد اختطاف الجيش الأميركي مادورو.

أما بالنسبة لغرينلاند، فقد لمح ترامب إلى إمكانية السيطرة على الإقليم التابع للدنمارك.

ومع أن معظم مستشاريه لا يعتقدون أنه سيمضي فعلاً في فكرة متطرفة مثل الاستيلاء على أرض من حليف، الأمر الذي قد يفجّر أزمة في الناتو، فإن ترامب يواصل إثارة الموضوع. وهذا ما أعلنته رئيسة وزراء الدانمارك يوم الثلاثاء بأن غزو أميركا للجزيرة سيعني نهاية حلف الناتو.

إن كلا من فنزويلا وغرينلاند تمتلكان بعض المعادن الحيوية الأساسية اللازمة للإلكترونيات المتقدمة والبطاريات.

فهما تملكان رواسب من الغاليوم والجرمانيوم والإنديوم والتنتالوم والسيليكون المستخدمة في رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وتمتلك غرينلاند معدناً مرغوباً إضافياً لا تملكه فنزويلا — وهو البلاديوم.

وبالمقارنة مع غرينلاند، تمتلك فنزويلا كميات أكبر من الكولتان، وهو معدن يُستخدم في الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة والمركبات الكهربائية.

كما تمتلك فنزويلا وغرينلاند الثوريوم، وهو معدن يمكن تحويله إلى يورانيوم-233 قابل للانشطار واستخدامه وقوداً نووياً. وكلاهما غني أيضاً بمعادن الطاقة النظيفة مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، التي يمكن أن تغذي مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الضخمة بالطاقة.

لذلك يرى الخبراء أن اهتمام الولايات المتحدة بتأمين المعادن الحيوية في فنزويلا وغيرها لا يتعلق فقط بالهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بالسيطرة في مجال التسليح، في وقت بات فيه الذكاء الاصطناعي مساهماً متزايداً في النمو الاقتصادي الأميركي وسوق الأسهم.

وتعتمد الولايات المتحدة على الصين في معظم وصولها إلى المعادن الأرضية النادرة، لأن بكين تسيطر على نحو 90٪ من الإمدادات العالمية. وقد استخدمت بكين هذا الواقع لمصلحتها في الحرب التجارية الجارية، فشددت القيود على صادرات هذه المعادن.

إن حديث ترامب عن الاستيلاء على غرينلاند، وعمليته باختطاف مادورو، واهتمامه العلني بتطوير حقول النفط والموارد الطبيعية الأخرى في فنزويلا، كل ذلك أثار انتقادات واسعة بأن الولايات المتحدة تتصرف بشكل غير قانوني وبطريقة إمبريالية.

لكن ترامب يبدو غير مكترث، وتباهى يوم السبت بما سمّاه «مبدأ دونرو» للهيمنة في نصف الكرة الغربي.

وفي المقابل، يصوّر مستشارو ترامب التدخل الأميركي على أنه فائدة متبادلة لفنزويلا. وقال أحدهم لموقع أكسيوس: «أفضل طريقة لاستقرار فنزويلا هي عبر التنمية الاقتصادية. الحكومة الأميركية متموضعة استراتيجياً لملاحقة المعادن الحيوية والبنية التحتية معاً لتعزيز الأمن القومي».

ومن أجل ملاحقة مشاريع المعادن الحيوية والتنمية في مناطق عالية المخاطر، تموّل حكومة ترامب المشاريع عبر مكتب رأس المال الاستراتيجي في وزارة الحرب، ومؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية. وقد ضاعف الكونغرس الأميركي سقف استثمارات المؤسسة ثلاث مرات ليصل إلى 205 مليارات دولار.

ونقل موقع أكسيوس الإخباري الأميركي عن جاي بيلوسكي، مؤسس شركة TPW الاستشارية، قوله إن سعي الولايات المتحدة وراء المعادن الحيوية في أراضٍ أخرى هو «تأكيد على أن الدول والمناطق بحاجة إلى امتلاك مصادرها الخاصة من الإمدادات”

وهذا يعزز بدوره رغبة الصين في الاستقلال عن منظومة التكنولوجيا الأميركية، والعكس صحيح، لا سيما مع تنافس البلدين على الفوز بسباق الذكاء الاصطناعي.

ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين أن من المرجح أن يكون للتدخل الأميركي في فنزويلا تبعات كبيرة على الحرب التجارية مع الصين. فإذا تمكنت الولايات المتحدة من الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة الفنزويلية، فسيكون لديها أفضلية محتملة في حرب الرسوم الجمركية. أما إذا لم يحدث ذلك، فستواصل الصين استخدام هذه المعادن كورقة ضغط عبر قطع الوصول إليها، وهو ما سيضر بالأسواق والاقتصاد، بحسب بيتر تشير، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في شركة أكاديمي سيكيوريتيز.

وعلى الرغم من اهتمام حكومة ترامب بالذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، فإن ترامب في جوهره رجل نفط، ويركز أكثر على تطوير هذا القطاع وأقل على المعادن الحيوية. وقال ترامب للصحفيين يوم الأحد: «الجميع لديه معادن نادرة. المعادن النادرة ليست نادرة. النادر هو المعالجة. نحن نبني مصانع معالجة في كل مكان».

وقال ماركو بابيتش من شركة BCA للأبحاث لموقع أكسيوس إن «تنقية جميع السلع غير النفط تتم في الصين»، مضيفاً أن المشكلة ليست في توفر المعادن بل في تنقيتها، وأن الصين تمتلك الخبرة في هذه العملية. وحتى لو تمكنت الولايات المتحدة من التكرير، يتساءلون: هل ستضطر بعدها إلى شحن المنتجات التكنولوجية إلى الصين للتصنيع؟

وخلاصة الأمر أن الولايات المتحدة قد تتمكن من الوصول إلى مزيد من المعادن الأرضية النادرة عبر فنزويلا، لكن عمليات التكرير والتصنيع اللازمة لكي تستفيد شركات الذكاء الاصطناعي من ذلك قد تستغرق سنوات طويلة لإنشائها.

 

 

 

  بقلم محمد دلبح- واشنطن-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى