لم يعد المشهد في الشرق الأوسط يُقرأ بالمنطق التقليدي القائم على ثنائية الهيمنة والخضوع. فالتطورات المتسارعة خلال الأشهر الأخيرة، على خلفية التصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كشفت عن بروز فاعلين إقليميين قرروا كسر منطق الاصطفاف، وفي مقدمتهم سلطنة عمان التي لعبت دور الرصين البراغماتي الهادئ والمملكة العربية السعودية التي مثلت حجر العثرة أمام المخططات الصهيو-أمريكية لجعل الجميع يلتف ضد ايران فلو اصطفت الرياض في ذلك الجانب لجلبت وراءها ومعها كل دول المنطقة تقريبا.
في قلب هذا التحول، برزت الدبلوماسية العمانية كقوة هادئة ولكن حاسمة. فقد قاد وزير الخارجية بدر البوسعيدي سلسلة من التحركات التي لم تكتف بالدعوة إلى التهدئة، بل تجاوزت ذلك إلى لعب دور الوسيط الفعلي في أكثر من ملف حساس والكابح الحقيقي للجنون الأمريكي-الاسرائيلي. ففي خضم التوترات المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، والتهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن، عملت مسقط على فتح قنوات تواصل غير معلنة، حتى قبل انطلاق الحرب-أسهمت في احتواء الانزلاق نحو الأسوأ.
هذا الدور ليس جديدا على عُمان، لكنه اكتسب زخما خاصا في هذه المرحلة. فالتصريحات العلنية للبوسعيدي، التي شددت على أن “الحلول العسكرية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى” محملا المسؤولية بكل جرأة وشجاعة الى إسرائيل وأمريكا، لم تكن مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل تعبير عن رؤية استراتيجية ترى أن أمن الخليج لا يمكن أن يبنى على منطق الردع وحده، بل على التوازن والحوار. هذه الجرأة في الطرح، في سياق إقليمي مشحون، تعكس استقلالية القرار العماني ورفضه الانجرار وراء التصعيد وتواصل الحرب المدمرة.
بالتوازي، كانت المملكة العربية السعودية تعيد صياغة دورها الإقليمي بشكل لافت. فمنذ الاتفاق مع إيران في بكين عام 2023، برعاية صينية، اختارت الرياض مسارا يقوم على خفض التوتر بدل تأجيجه. هذا الخيار لم يكن سهلا، خاصة في ظل الضغوط الأميركية المتواصلة لاحتواء إيران، لكنه عكس تحولا عميقا في الرؤية الاستراتيجية لولي العهد محمد بن سلمان.
وتجلت هذه المقاربة في عدة مواقف عملية منها رفض الانخراط في أي عمل عسكري مباشر ضد إيران رغم التصعيد ورغم الاعتداءات الايرانية، الدفع نحو حلول سياسية في أزمات المنطقة، من اليمن إلى لبنان، والسعي إلى حماية استقرار أسواق الطاقة العالمية بعيدا عن التوظيف السياسي. كما حرصت الرياض على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك طهران، في خطوة عكست ضبط النفس وثقة متزايدة في القدرة على إدارة التوازنات دون الارتهان لحليف واحد.
في المقابل، بدت واشنطن في موقع أقل قدرة على فرض إملاءاتها. فبعد تجارب مريرة في العراق وأفغانستان، ومع تزايد التركيز على التنافس مع الصين، لم تعد الإدارة الأميركية مستعدة لخوض مغامرات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط. هذا التردد، الذي ترجم في الاكتفاء بالدعم المباشر وغير المباشر لإسرائيل، فتح المجال أمام القوى الإقليمية لملء الفراغ والتحكم في قواعد اللعبة في ظل انعدام أي دعم غربي معتاد لامريكا وفي ظل الخطر الاقتصادي المحدق.
أما إسرائيل، فقد وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا. فالتصعيد متعدد الجبهات، من غزة إلى الحدود الشمالية، كشف حدود القوة العسكرية في تحقيق حسم استراتيجي، خاصة في ظل غياب دعم إقليمي مطلق كما كان في السابق. بل إن بعض الحلفاء التقليديين في أوروبا، وعلى رأسهم فرنسا، أبدوا مواقف أكثر توازنا، داعين إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد ورفض للحرب، وهو ما يعكس تباينا متزايدا داخل المعسكر الغربي.
ضمن هذا السياق، تبرز “شجاعة” الموقفين العماني والسعودي ليس فقط في رفض الانخراط في الصراع، بل في السعي النشط لمنع انهيار إقليمي شامل. فبدل الانجرار إلى منطق المحاور، اختارت مسقط والرياض لعب دور صمام الأمان، عبر التهدئة، الوساطة، وإعادة بناء جسور الثقة.
هذه التحركات لا تعني بالضرورة نهاية النفوذ الأميركي-الإسرائيلي، لكنها تشير بوضوح إلى أن زمن الهيمنة الأحادية يقترب من نهايته. فالقوى الإقليمية، وعلى رأسها عُمان والسعودية، لم تعد مجرد ساحات للصراع، بل أصبحت فاعلا رئيسيا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
في المحصلة، ما نشهده اليوم ليس “هزيمة” بالمعنى التقليدي للتحالف الصهيو-امريكي، بل تآكلا تدريجيا في القدرة على فرض الإرادة، مقابل صعود دبلوماسية إقليمية أكثر استقلالية وجرأة. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر: هل تنجح هذه المقاربات في تجنيب المنطقة انفجارا شاملا وهو ما يسعى اليه ناتنياهو، أم أن التوازن الهش سيبقى عرضة للاهتزاز في أي لحظة؟






