أراء

بوتين ومجلس ترامب للسلام: درس في الشطرنج الدولي

«اختار بوتين تذكير الجميع بأن السياسة في جوهرها ليست مباراة تحت ضغط الوقت، بل لعبة شطرنج تحتاج إلى التأنّي»

حامد بن إبراهيم/ باحث في العلاقات الدولية

تقديم لوبوان

بعد المقال الذي نشر على الموقع مؤخرًا للسيد حامد بين إبراهيم، والذي خصص لتحليل موقف بوتين من قضية غرينلاند؛ من زاوية تفكيك الخطاب السياسي، يقدم الموقع اليوم ورقة لنفس الكاتب، تتناول بالتحليل جملة صدرت عن بوتين مؤخرا، عبّر من خلالها عن موقفه تجاه دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانضمام لما سُمّي بـ «مجلس السلام». ويجدر التذكير هنا، بأن التركيز انصب على تفكيك التشفير الخطابي لإظهار الأسلوب التواصلي للرئيس الروسي، دون تموقع سايسي للموقف أو التعامل معياريا مع المضمون.

***

المقال

لم يكن تصريح فلاديمير بوتين حول دعوة دونالد ترامب له للانضمام إلى ما سُمّي بـ «مجلس السلام» حدثًا سياسيًا قائمًا بذاته، بقدر ما كان لحظة كاشفة لطريقة عمل العقل الروسي في إدارة التوازنات الدولية. فالرجل لم يتعامل مع الدعوة بوصفها مبادرة يجب قبولها أو رفضها، بل كفرصة لإعادة ترتيب نقاشات قائمة أصلًا، بعضها معلن وبعضها يدور في الكواليس الغربية منذ أشهر. بوتين يعلم أن العهد الترامبي عابر ومحفوف بكثير من المخاطر، لكنه يدرك أن نرجسية ترامب وأسلوبه في التعاطي، عند تمرير أجندات العقل المستتر للدولة العميقة، توفر فرصًا يجب استثمارها لصالح روسيا وشركائها الاستراتيجيين.

حين قال بوتين إن الأمر سيُحال إلى وزارة الخارجية الروسية للدراسة، بدا الجواب للوهلة الأولى باردًا، محايدًا، وربما مخيّبًا لمن ينتظر موقفًا حاسمًا. غير أن هذه البرودة المقصودة كانت بذاتها موقفًا. فالإحالة إلى المؤسسة لم تكن إجراءً تقنيًا، بل رسالة سياسية موجهة بالأساس إلى الغرب، وخصوصًا الأوروبيين، الذين دأبوا على تصوير النظام الروسي كنظام حكم فردي، تُدار فيه الدولة بقرار رجل واحد. في جملة واحدة، وضع بوتين حدًا لهذا السرد، وأثبت للداخل الروسي وللملاحظ الدولي أن روسيا دولة تحكمها المؤسسات، وإن كانت الأوضاع تقتضي أحيانًا الحسم من قبل رئيس الدولة في إطار صلاحياته الدستورية.

في الوقت نفسه، منح هذا الجواب ترامب مساحة حركة مريحة ولم يُحرجه بالرفض. بوتين لم يُلزِم نفسه بالقبول، وترك المبادرة في منطقة رمادية تسمح للرئيس الأمريكي بتسويقها داخليًا، دون أن يُفرض على موسكو أي التزام سياسي. إنها المنطقة التي يُتقن بوتين الوقوف فيها: لا خصومة مجانية، ولا تنازل بلا مقابل.

غير أن النقطة الأهم لم تكن في ما قيل تجاه مجلس السلام نفسه، بل في ما أُقحم في الجواب على نحو بدا عرضيًا، بينما كان في الحقيقة جوهر اللعبة. الحديث عن الأموال السيادية الروسية المجمّدة في أمريكا (قرابة ست مليارات دولار)، وإمكانية توظيف جزء منها في إعادة إعمار غزة، ثم تخصيص الباقي لإعادة إعمار المناطق التي ضمّتها روسيا وتضررت من الحرب، لم يكن اقتراحًا ماليًا ولا بادرة إنسانية بالمعنى الضيق، بل كان إعادة صياغة كاملة للملف.

بهذا الطرح، انتزع بوتين ملف الأموال السيادية من أيدي الأوروبيين، دون أن يطلب منهم شيئًا، ودون أن يدخل في سجال قانوني أو أخلاقي طال أمده داخل الاتحاد الأوروبي. لم يعد السؤال مطروحًا حول مشروعية المصادرة أو آلياتها، بل انتقل النقاش إلى مستوى آخر: من يقرّر مصير هذه الأموال، وفي أي إطار سياسي، وتحت أي مظلة دولية.

الأوروبيون، الذين ظلوا عالقين بين ضغوط أمريكية، وتردد قانوني، وخشية حقيقية من رد فعل موسكو، وجدوا أنفسهم فجأة خارج مركز القرار. فحين يُفتح باب التعامل مع الأموال عبر مسار أمريكي-روسي محتمل، تتحول أوروبا تلقائيًا إلى طرف يَنتظر لا إلى طرف يقيم ويقرّر؛ وهو تحوّل من سياق سيادي إلى سياق التبعية.

هنا يصبح موقف بلجيكا مفهومًا في عمقه. فرفض رئيس الوزراء البلجيكي التصرف في الأموال الروسية لم يكن مجرد التزام بالنصوص القانونية، بل إدراكًا لحجم المخاطرة السياسية. بلجيكا، التي تحتضن الجزء الأكبر من هذه الأصول، تدرك أن أي خطوة منفردة قد تضعها في واجهة صراع لا تملك أدواته، ولا ضمانات الخروج منه. جواب بوتين، من حيث لا يبدو، قدّم للأوروبيين مخرجًا: الانتظار بدل التورط.

اللافت أن بوتين لم يحتج إلى مخاطبة بروكسل، ولا إلى التفاوض مع المفوضية، ولا حتى إلى انتقاد المواقف الأوروبية علنًا. تجاوز كل ذلك، وفتح الباب مع ترامب باعتباره مركز الثقل الحقيقي في المعسكر الغربي. وأي مسار سيُرسم بين موسكو وواشنطن سيجد الأوروبيون أنفسهم مضطرين إلى التكيّف معه، خصوصًا في ظل الانقسامات الداخلية وغياب رؤية موحّدة.

ما سبق لا يمكن فصله عن مناخ أوروبي أوسع بدأ يتشكّل بصمت. خطاب القطيعة مع روسيا ما يزال حاضرًا في العلن، لكن الوقائع تشير إلى انفتاح غير معترف به. رسالة إيمانويل ماكرون إلى ترامب، التي اقترحت دعوة روسيا إلى اجتماع الدول السبع رغم استمرار مذكرة الجلب بحق بوتين، لم تكن حدثًا معزولًا، بل كانت تعبيرًا عن نقاش يدور في مستويات أعلى من الخطاب الإعلامي، حيث تُعاد قراءة فكرة عزل القارة الجارة وجدواها.

فضح ترامب لتلك الرسالة لم يخلق أزمة بقدر ما كشف ما كان مخفيًا، فالغرب أو على الأقل جزء وازن منه، بدأ يعترف ضمنيًا بأن إدارة النظام الدولي دون روسيا لم تعد واقعية؛ ليس حبًا في موسكو، بل اعترافًا بحدود السياسة السابقة.

في السياق ذاته، يمكن فهم تحوّل موقف برلين الذي يرتسم تصاعديًا. فالاقتصاد الألماني، الذي بُني على أسعار الطاقة الروسية التنافسية والاستقرار الجيوسياسي الذي تعزز بصداقة بوتين مع غيرهارد شرودر، لم يعد قادرًا على تحمّل كلفة قطيعة طويلة مع روسيا. غير أن برلين، بحكم موقعها، لا تريد أن تكون رأس الحربة في أي مراجعة، بل تبحث عن غطاء أوسع يخفّف عنها عبء الاعتراف بالخطأ، وإحراجها مع جيرانها الشرقيين وخاصة بولندا ودول البلطيق.

هنا تكتسب المبادرة الإيطالية دلالتها الخاصة، فاقتراح جورجيا ميلوني تكليف ماريو دراغي بالتواصل مع موسكو لا يمكن قراءته كخطوة تقنية أو إدارية. دراغي ليس موظفًا أوروبيًا عاديًا، بل رجل من جيل مختلف، جيل كان يُدير السياسة بمنطق الدولة لا بمنطق اللجان. إمكانية إعادته إلى الواجهة هي رسالة مزدوجة، تقول للداخل الأوروبي بأن زمن التفرد الأيديولوجي يقترب من نهايته، وتشير إلى موسكو بأن أوروبا تبحث عن ممثل يوصل لغتها الجديدة ويُحترم في الكرملين.

اختيار دراغي يستحضر، في الذاكرة الروسية، جيل برلسكوني، الذي كان بوتين ينظر إليه بوصفه أحد آخر رجال الدولة في أوروبا، لا مجرد سياسي عابر. هذه الإشارة الرمزية لا تُصاغ خطابيًا لكن الكرملين يتلقفها مشفرة، وهي جزء من لغة سياسية دقيقة، تُستخدم فيها الأسماء الصحيحة بعيدا عن الكلمات الكبرى.

وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل ما تعنيه هذه الخطوة من تحجيم لدور كايا كالاس، ممثلة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، التي تعتبرها الأوساط الحاكمة في موسكو وواشنطن أحد إفرازات منظومة الحكم الدافوسية. المسألة هنا لا تتعلق بموقف شخصي أو عداء سياسي، بل باختلال بنيوي في تمثيل القرار الأوروبي. كالاس الاستونية تمثل نحو واحد في المئة من سكان الاتحاد، ولا يمكن أن تستمر في توجيه سياسة استراتيجية تجاه قوة نووية كبرى، بدوافع تاريخية وشخصية غير مخفية على الخبراء والمتابعين. إعادة التوازن هنا شرط للعودة إلى سياسة خارجية أقل انفعالًا وأكثر واقعية.

ضمن هذا المشهد كله، يبدو جواب بوتين حول مجلس ترامب للسلام متناسقًا تمامًا مع السياق. لم يأتِ متقدمًا على اللحظة ولا متأخرًا عنها، وإن كان لم يرفض المبادرة، فقد تجنب كذلك تقديم أي عرض تعويضي أو حتى مجرد التذكير بالإطار الأممي القائم. اكتفى بوتين بإعادة ترتيب رقعة الشطرنج، آخذاً في الحسبان التحركات الخمس القادمة، وترك للآخرين الارتباك أمام اختيار مواقعهم الجديدة.

في الخاتمة، وبقطع النظر عن التقييم السياسي والأخلاقي لتوجهات الرئيس الروسي، يعتبر أسلوب التعامل مع الدعوة الأمريكية شيئًا يستحق التوقف عنده. إنها سياسة لا تقوم على التفاعل الخطابي القانوني الجاف، بل على إحكام التعامل مع التوقيت واستثمار الزمن، الذي يراهن قادة الكتلة الأوراسية. الأسلوب ينبني على معرفة متى يُقال الشيء، ومتى تُترك المواقف بلا ردة فعل أو الرد بنصف القول. في عالم التواصل الاجتماعي وحينيّة التراسل وسيلان المواقف ورفع الشعارات الصاخبة، اختار بوتين جملة محسوبة، كانت كافية لإنهاء نقاشات وفتح مسارات، وتذكير الجميع بأن السياسة في جوهرها ليست مباراة تحت ضغط الوقت، بل لعبة شطرنج تحتاج إلى التأنّي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى