أراء

بوتين وغرينلاند: درس في الخطابة وأصول الحكم

حامد بن إبراهيم/ باحث في العلاقات الدولية

 ينشر  موقعنا “لوبوان” هذا المقال ضمن متابعته للنقاشات الدولية الجارية حول التحولات في الخطاب السياسي العالمي. ويتوقف النص عند تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن غرينلاند، لا من زاوية الموقف تجاه جوهر الملف، بل من حيث طريقة بناء الخطاب واستدعاء التاريخ في مقاربة القضايا السيادية. المقال قراءة تحليلية في أسلوب الحكم أكثر منه موقفًا سياسيًا، ويدعو القارئ إلى تأمل ما يُقال وكيف يُقال، في لحظة تشهد ارتباكًا واضحًا في القبول بمسلمات السياسة الدولية، التي تشكل حولها اجماع منذ ثمانية عقود.

***

المقال

حين قال بوتين إن مسألة غرينلاند لا تعني روسيا، كان في الظاهر يُغلق النقاش من زاوية المصلحة المباشرة. وهذا النفي هو ما سمح له بالانتقال إلى مستوى آخر من التحليل. حين ينفي حاكم دولة بحجم الاتحاد الروسي انخراطه المباشر في الملف، يصبح كلامه توصيفًا لا مرافعةً لصالح أو ضد طرف معين، ويكتسب بالنتيجة شرعية الحديث التاريخي الهادئ بعيدًا عن الخطاب التعبوي. من هنا بدأ بوتين في إعادة وضع المسألة داخل إطارها الأوسع، أي سياق السوابق التاريخية ومنطق تشكُّل الدول وحدودها.

أهمية ما قاله فلاديمير بوتين حول غرينلاند لا تنفصل عن الإطار الذي قيل فيه؛ فلم يكن ذلك تصريحًا صحفيًا مرتجلًا، ولا ردًا على سؤال إعلامي متكرر ومستهلك. جاء التعليق خلال اجتماع رسمي مع رئيس الحكومة ووزرائه، وليس هذا تفصيلًا شكليًا، بل عنصرًا أساسيًا لفهم طبيعة الخطاب. نحن هنا أمام رئيس دولة يخاطب مؤسسات الحكم، لا جمهورًا إعلاميًا، ويستحضر التاريخ كأداة تحليل بعيدًا عن التبرير أو الديماغوجيا. ورغم أن المقال سيتناول ملفًا جيوسياسيًا معقّدًا وشائكًا بطبيعته، فإنه يعتمد مقاربة تعطي الأولوية لتحليل الخطاب السياسي والتقنية الاتصالية التي وُظِّف بها الملف، أكثر من التركيز على موازين القوى أو السعي للحكم القِيمي على السياسات الروسية.

والظاهر أنَّه بالنسبة لبوتين، لم يكن الحدث ملف غرينلاند في ذاته، ولا التصريحات المرتبطة به من حيث مضمونها المباشر أو مآلاتها المحتملة. وما يستحق التوقف عنده فعلًا هو السياق الذي قُدِّم فيه خطابه، والطريقة التي أُعيد بها ترتيب الموضوع، والرسائل التي مرّت عبره دون أن تُصاغ في شكل مواقف صدامية أو شعارات سياسية جاهزة. على هذا المستوى تحديدًا، يظهر الفرق بين من يتعامل مع السياسة كإدارة يومية للملفات، ومن يمارسها بوصفها فعل حكم مرتبطًا بالتاريخ وبفهم عميق لمعنى الدولة.

الإشارة إلى الدنمارك، والتذكير بأن كوبنهاغن نفسها باعت في تاريخها الحديث إقليمًا للولايات المتحدة، لم تكن تفصيلًا ثانويًا؛ لأنها تضع أوروبا داخل سردية اللوم بدل أن تبقى خارجها بوصفها قاضيًا أخلاقيًا. الدولة (الدنمارك) التي انخرطت سابقًا في ما يمكن وصفه بـ «جيوسياسيا المضاربة العقارية»، وباعت جزرا في بداية القرن العشرين مقابل مبلغ يبدو اليوم زهيدًا، لا يمكنها في القرن الحادي والعشرين أن تتحدث وكأن فكرة تبادل الأقاليم خروج فجّ عن التاريخ أو تهديد غير مسبوق للنظام الدولي.

أثار بوتين كذلك مسألة شراء الولايات المتحدة لألاسكا من روسيا القيصرية، واستحضار التجربة لم يكن دفاعًا عن فكرة شراء الأقاليم، ولا محاولة لتسويق أطروحات دونالد ترامب، بل كان تفكيكًا لفكرة الاستثناء الأخلاقي التي اعتاد الغرب الاحتماء بها. والأرقام التي ذُكرت في هذا السياق لا تهم من حيث دقتها المحاسبية، بل من حيث وظيفتها السياسية. قرابة ثمانين مليون دولار آنذاك، وما يقابلها اليوم وفق حسابات مختلفة، ليست جوهر المسألة. الجوهر هو أن منطق السوق الجيوسياسي كان حاضرًا في لحظات تأسيسية من تاريخ القوى الكبرى، وأن الغرب نفسه كان فاعلًا مركزيًا فيه. بهذا المعنى، لم يكن الحديث عن ألاسكا تبريرًا، بل كان من قبيل استفزاز الذاكرة الغربية الانتقائية.

مقارنة ألاسكا مع غرينلاند، من حيث المساحة والموقع ومحاولة تحديد ثمن افتراضي، جاءت لتُكمل البناء الفكري للرسالة السياسية؛ والهدف لم يكن تسعير غرينلاند، بل الإشارة إلى أن التعامل مع الجغرافيا بمنطق السيادة والتبادل ليس بدعة سياسية. ولعل أهم ما في هذا الطرح أنه يسحب من الخطاب الغربي نبرة الصدمة المصطنعة، ويعيد النقاش إلى مستوى عقلاني أقل انفعالًا.

وقد اعتادت النخب الأوروبية تقديم نفسها كحَكَم على سلوك الآخرين، لذلك حاول بوتين أن يقول، بشكل مشفّر، إن أوروبا كانت ولا تزال جزءًا من تاريخ الممارسات التي تنتقدها اليوم. والأكثر دلالة في هذا السياق كان الحديث بتعاطف عن سكان غرينلاند الأصليين. لم يُسهب بوتين، ولم يستحضر التاريخ خلافًا لعادته، ولم يدخل في تفاصيل سياسات التهميش أو برامج منع الحمل القسري التي مورست في منتصف القرن الماضي، لكنه أشار بما يكفي لفتح ملفٍّ يعرف الأوروبيون حساسيته جيدًا. مجرد التلميح هنا كان كافيًا لإعادة ترتيب من يملك حق الحديث الأخلاقي، ومن يحمل أعباء تاريخه على كاهله.

هذا الأسلوب في الطرح يكشف فهمًا عميقًا لطبيعة الخطاب الدولي المسيطر على الساحة في سياقنا التاريخي. ولم يحاول بوتين أن يقدّم نفسه كمدافع عن حقوق الشعوب، لكنه عرّى انتقائية الخطاب الغربي؛ ولعل هذه النقطة بالذات تفسر السبب وراء هدوء الخطاب غير الانفعالي، الذي كان في جانب كبير منه موجّهًا إلى الداخل قبل الخارج.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل الخطاب عن التفاتته غير المباشرة إلى دونالد ترامب؛ إذ لم يكن في كلام بوتين دعم سياسي ولا اصطفاف شخصي، لكن القراءة بين السطور تُظهر رفعًا للحرج لا يمكن ألّا يتلقفه ترامب والمختصون في الاتصال من حوله. حين يوحي بوتين بأن الفكرة غير مستهجَنة تاريخيًا، فهو يمنح ترامب غطاءً فكريًا دون أي التزام روسي. وهذا النوع من الإشارات محسوب بدقة؛ لأنه يحقق أثرًا سياسيًا دون كلفة استراتيجية. إذ يدرك بوتين أن ترامب ليس شريكًا استراتيجيًا، بل عامل إرباك داخل المنظومة الغربية، ولا يتردد في توظيفه. وهنا يمكن الإشارة إلى أن تصريحات القيادة الكندية في منتدى دافوس حول القطيعة مع الولايات المتحدة ليست حدثًا معزولًا، بل مؤشرًا على اهتزاز الثقة داخل المعسكر الغربي نفسه، وبوتين يحسن توظيف ذلك عبر خطاب يسلّط الضوء على التناقضات ويترفع عن استثمارها مباشرة.

ويتقاطع هذا المشهد مع ما أُثير في المقال السابق عن منتدى دافوس، خاصة في ما يتعلق بتآكل صورة رجل الدولة في الغرب. فأزمة غرينلاند أظهرت عجز النخبة الغربية عن تبنّي خطاب سيادي يعكس فهمًا استراتيجيًا للملفات، والرد بسرديات عميقة أو بنقاش فكري حول مفهوم الدولة والحدود. ما حدث في الغالب كان ردود فعل تقنية، وبيانات مقتضبة، وتعليقات أخلاقية عامة، تذكر بالضعف ولا ترسل أي إشارة ردع يعتد بها. هذا الفارق مع طرح بوتين يعكس تراجعًا في مستوى التكوين السياسي والفكري، ويطرح أسئلة حول مدى صلابة التيارات الفكرية التي تتبناها النخب الغربية الحالية.

وليس من قبيل الصدفة أن بوتين لا يخفي احترامه لقادة غربيين قلائل مثل غيرهارد شرودر أو جاك شيراك، رغم أنهم لم يكونوا على وفاق دائم مع موسكو. سبب هذا التقدير هو فهمهم للسياسة بوصفها ممارسة سيادية متجذرة في التاريخ. شيراك، الذي يرى البعض أن ربطه ببوتين يرقى إلى الصداقة، كان يمثل نموذج القائد الأوروبي القادر على قول «لا»، وعلى قراءة الشرق الأوسط خارج القوالب الأميركية. اهتمامه بالثقافة الروسية ومعرفته باللغة لم يكونا ترفًا ثقافيًا، بل تعبيرًا عن اتساع أفقه الذهني.

هذا النموذج من رجال الدولة يكاد يكون غائبًا اليوم في الغرب. فكثير من القادة الغربيين يديرون السلطة بكفاءة إجرائية، لكنهم يفتقرون إلى العمق الذي يسمح لهم بفهم لحظات التحول الكبرى.

ورغم ضيق المساحة في هذا المقال، يجدر التذكير بأن ضعف الأداء الأوروبي في التعامل مع الولايات المتحدة ليس ظرفيًا ولا مرتبطًا بشخصيات بعينها، بل هو ضعف بنيوي متصل بهندسة العلاقة التي تشكّلت بين واشنطن والعواصم الأوروبية منذ انتقال مركز القيادة العالمية إليها بعد الحرب العالمية الثانية. وقد قدّم عدد من منظّري العلاقات الدولية قراءات مبكرة لهذا الخلل، من بينهم المفكر علي مزروعي، ولا سيما في أطروحته حول «التبعية الكبرى» Macrodependency، التي تساعد على فهم طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، دون الحاجة إلى اختزالها في سجالات سياسية آنية.

في المحصّلة، يستند خطاب بوتين، مهما اختلف المرء معه أخلاقيًا أو سياسيًا، إلى قراءة طويلة المدى للتاريخ ولمنطق الدولة. لم يجعل بوتين غرينلاند قضيةً في صلب اهتمامات السياسة الروسية، لكنه حوّلها إلى درس في أصول الحكم؛ درسٍ يقول إن السياسة ليست مجرد ردود أفعال فعل إعلامية، ولا مسابقةً استعراضية في الخطاب القِيمي، بل ممارسةٌ عقلانية تعرف متى تُفصح، ومتى تُلمّح، ومتى توظّف هشاشة مواقف المنافسين لتتركهم يختلفون في ما بينهم. غرينلاند، في إشارات بوتين، لم تكن جوهر الموضوع؛ فالرسالة كانت إظهار الفارق بين من يحكم بعقل الدولة «ويملك الزمن»، ومن يدير السلطة بعقل المُسيِّر ويفكر في حدود الدورات الانتخابية. ولعل هذا الفارق، في لحظة دولية مضطربة كهذه، بات أكثر تأثيرًا في موازين القوى من كثير من القرارات العسكرية أو الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى