أراء

بعد «بريكست»… هل يدقّ «ديكست» المسمار الأخير في نعش الاتحاد الأوروبي؟

 

بقلم: الأستاذ في القانون الدولي و العلوم السياسية يوسف بن عثمان-فرنسا

يبدو أن الاتحاد الأوروبي التكتّل السياسي و الاقتصادي الذي كان لوقت قريب الأقوى في العالم لم يعد كذلك و أصبح مهدّدا في وحدته .ومنذ انفصال المملكة المتحدة عنه في 21جانفي 2021 ضمن ما يسمى خطة البريكست (هو مصطلح يجمع كلمتي “بريطانيا” (Britain) و “خروج” (Exit) ويعني انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وكان ذلك بعد استفتاء عام 2016 .

واليوم يبدو هذا التهديد أكثر جدية مع حالة الوهن التي بلغها الاتحاد و الأزمات الداخلية التي تعصف من حين لآخر أكبر دوله ما يجعل الأولوية وطنية قبل أن تكون إقليمية و ما فرض على دوله الدخول في اتفاقات سياسية و تجارية مع دول أخرى من خارج الاتحاد للحفاظ على التوازنات الداخلية . وقد تعالت الأصوات همسا و علانية من عدد من الزعماء في أوروبا (خاصة من الوجوه المعارضة) إلى انسلاخ دولهم من هذا التكتل و البحث عن سبل عيش الكريم بعيدا عن مظلته ومع شركاء آخرين من خارجه.بل إن البعض منهم دعى إلى حلّ الاتحاد الأوروبي لعدم جدواه ولأنه أصبح عبئا عن دول بعينها مثل ألمانيا. وهو رأي تتبنّاه زعيمة «البديل من أجل ألمانيا» «أليس فايدل» والتي دعت ، إلى خروج ألمانيا من الاتحاد الأوروبي، في خطوة أطلقت عليها اسم «ديكست» (Dexit)، مؤكدة دعمها الصريح لإنهاء عضوية برلين في التكتل الأوروبي.

تصريحات «فايدل» بررت فيها أن مغادرة الاتحاد الأوروبي لا تعني نهاية السوق المشتركة، بل تمثل عودة مثلى إلى الفضاء الاقتصادي الأوروبي، بعيدًا عمّا وصفته بـالبنية الفوقية البيروقراطية في بروكسل(في إشارة الى مقر المفوضية الأوروبية). وقالت «فايدل»: “هذا الجهاز الضخم يضم عشرات الآلاف من الموظفين غير الضروريين، المبالغ في أجورهم، والذين يتسمون بتسلط مفرط”، على حد تعبيرها.

كما وجّهت السياسية القومية انتقادات حادة للسياسات البيئية للاتحاد الأوروبي، مشيرة بشكل خاص إلى حظر محركات الاحتراق الداخلي وفرض الضرائب على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، واعتبرتها إجراءات مبالغًا فيها. وأضافت بصريح العبارة: “انظروا إلى الحزب الديمقراطي المسيحي وإلى فون دير لايين… تخلّصوا منهم جميعًا. لسنا بحاجة إلى هذا الجهاز الأوروبي المتغلغل”.

في المقابل اقترحت «فايدل» إقامة سوق داخلية حرة بين دول أوروبية ذات سيادة وحدود آمنة، معتبرة أن الاتحاد الأوروبي ينبغي أن يُلغى من أجل استعادة شكل من أشكال التعاون الاقتصادي «القائم على التبادل الحر للسلع والخدمات. هذه الدعوة الصريحة و إن كان لاينتظر منها صدى فوريا واستجابة ألمانية حينية بحكم أن العمود الفقري للاتحاد هي ألمانيا وانفصالها عنه يعني تهاوي الاتحاد آليا، إلا أنها دعوة لها الكثير من المؤيدين من الألمان وهي مبنية على وقائع و أرقام تؤكدّ أن برلين أعطت للاتحاد الأوروبي أكثر ممّا أخذت . تضرّر ألمانيا من الاتحاد الأوروبي ليس خسائر اقتصادية مباشرة فقط، بل أيضًا قيود سياسية واستراتيجية فرضها منطق الاتحاد ومنطقة اليورو، حيث فقدت مع اعتماد اليورو أداة سعر الصرف التي كانت تمكّنها من حماية صناعتها، وأصبحت خاضعة لسياسة نقدية موحّدة لا تعكس دائمًا قوة اقتصادها. كما اضطرت لتحمّل العبء الأكبر في خطط إنقاذ دول الجنوب الأوروبي المتعثرة ماليًا عبر آليات مثل الصناديق الأوروبية وبرامج الإنقاذ، ما خلق ضغطًا سياسيًا داخليًا وساهم في صعود التيارات الشعبوية.

وتظل ألمانيا أكبر مساهم صافي في ميزانية الاتحاد الأوروبي، إذ دفعت أكثر مما تلقت بنحو 17.4 مليار يورو في 2023 و13.1 مليار يورو في 2024، ما يجعلها الداعم الأكبر ماليًا تليها فرنسا وإيطاليا، في حين تستفيد دول مثل اليونان وبولندا أكثر من المال الأوروبي. هذا العبء المالي طالما أثار نقاشات سياسية داخل ألمانيا حول حجم المساهمات ومستقبل الاتحاد وأستعمل كورقات انتخابية . أمّا المعضلة الأكبر التي تواجه ألمانيا فهو قواعد المنافسة الأوروبية حدّت من قدرتها على دعم صناعتها التاريخية كما منعتها من إنجاز اندماجات إستراتيجية كبرى، في حين تتمتع الولايات المتحدة والصين بمرونة أكبر في دعم شركاتها.

وزادت سياسات المناخ الأوروبية وأزمة الطاقة من كلفة الإنتاج، ما أضعف تنافسية قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب والكيماويات، وجعل ألمانيا تدفع ثمن التحول الطاقي بينما تواجه منافسة شرسة من الخارج. كما شكّلت حرية التنقل داخل الاتحاد وأزمات الهجرة عبئًا اجتماعيًا وسياسيًا كبيرًا تحمّلته ألمانيا أكثر من غيرها، خاصة خلال أزمات مثل 2015، وأدى بطء القرار الأوروبي القائم على الإجماع إلى الحدّ من قدرتها على التحرك السريع دفاعًا عن مصالحها القومية الخالصة، مما أبقاها مرتهنة إلى حدّ بعيد لحلف شمال الأطلسي.

وبذلك، ورغم استفادتها التجارية الكبيرة من السوق الموحدة واليورو على المدى القصير، فإن ألمانيا وجدت نفسها مقيّدة سياديًا واستراتيجيًا، تتحمّل أعباء الآخرين وتخسر جزءًا من استقلال قرارها كقوة صناعية وسياسية كبرى على المدى المتوسط والطويل. في المحصّلة يبدو أن ألمانيا سائرة في اتجاه الانسلاخ على الاتحاد الأوروبي إن لم يكن اليوم فغدا.وهو ما يؤذن بتفكك هذا التكتّل .وربما انصهار دوله في تكتلات أخرى بقطع النظر عن القواسم المشتركة التي قام عليها الاتحاد الأوروبي. خاصة وان الإدارة الأمريكية منذ تولي الرئيس ترامب مقاليد الحكم أصبحت تتعامل مع القانون الدولي بانتقائية وتقديم المصلحة القومية على الالتزامات الدولية مما أثر على الشراكة الإستراتيجية والاقتصادية و الأمنية مع الاتحاد الأوروبي.فضلا على توجه ترامب الواضح في تحجيم كل القوى الاقتصادية لصالح الريادة الأمريكية . ما تقدّم يؤكّد صحّة سياسة تونس بتنويع شراكاتها الاقتصادية وعدم جعلها حكرا على الاتحاد الأوروبي رغم أنه لايزال الشريك التجاري لبلادنا. لكن قراءة الواقع ونتائجه استشراف المستقبل وآفاقه يجعلان من العبث المراهنة على جسد أوروبي قد يكون بصدد الاحتضار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى