أراء

ايران وفنزويلا.. فصل جديد من صراع قديم حول من يملك مفاتيح الطاقة في العالم

معركة الطاقة التي ستعيد رسم الجغرافيا السياسية من جديد

لوبوان- كتب سفيان رجب

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في الخليج والشرق الاوسط، يعود النفط ليتصدر المشهد باعتباره المحرك الخفي لكثير من الصراعات الدولية. فبعيدا عن الشعارات السياسية والامنية، تبدو المواجهة الدائرة اليوم حول إيران أقرب الى ما يمكن تسميته بـ”حرب نفط”، تدور فصولها بين القوى الكبرى وتتشابك فيها المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بشكل معقد.

فالنفط لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل تحول منذ عقود الى أحد اهم عناصر القوة في النظام الدولي. ومن يملك القدرة على التحكم في انتاجه او في طرق نقله او في اسعاره، يمتلك في الواقع جزءا مهما من مفاتيح الاقتصاد العالمي. لذلك لم يكن مستغربا ان تتحول مناطق انتاج الطاقة الكبرى في العالم الى مسارح صراع سياسي وعسكري متكرر.

يستهلك العالم اليوم ما يقارب 100 مليون برميل من النفط يوميا، وهو ما يجعل اي اضطراب في الامدادات قادرا على احداث صدمة اقتصادية عالمية. كما تشير التقديرات الدولية الى ان النفط ما يزال يوفر أكثر من 30 بالمئة من احتياجات الطاقة العالمية رغم التوسع التدريجي في الطاقات البديلة.

في هذا السياق تمثل إيران واحدة من اهم خزانات الطاقة في العالم. فهي تمتلك احتياطيات نفطية تقدر بنحو 200 مليار برميل تقريبا، ما يجعلها من بين أكبر الدول المالكة للنفط، كما تمتلك واحدا من أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي على المستوى العالمي.

لكن اهمية إيران لا تكمن فقط في حجم احتياطاتها، بل ايضا في موقعها الجغرافي الاستراتيجي. فهي تشرف على مضيق هرمز، الذي يعد اهم ممر بحري لنقل النفط في العالم، حيث تمر عبره نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، اي ما يقارب 20 مليون برميل يوميا.

لهذا السبب لم تكن العلاقة بين طهران والولايات المتحدة مجرد خلاف سياسي او ايديولوجي، بل هي في جوهرها صراع على التحكم في مفاتيح الطاقة العالمية. فمنذ الثورة الايرانية عام 1979 دخل البلدان في مواجهة طويلة اتخذت اشكالا متعددة، من العقوبات الاقتصادية الى المواجهات غير المباشرة في المنطقة.

وقد تصاعد هذا الصراع بشكل واضح بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني خلال إدارة دونالد ترامب عام 2018، حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية استهدفت بشكل مباشر قطاع النفط الإيراني. وكان الهدف المعلن من هذه السياسة هو خفض صادرات النفط الايراني الى الحد الادنى من اجل حرمان طهران من مصدرها الرئيسي للعملة الصعبة.

وقد نجحت هذه العقوبات لفترة في تقليص صادرات ايران النفطية من نحو 2.5 مليون برميل يوميا الى اقل من 500 الف برميل يوميا، قبل ان تستعيد طهران جزءا من قدرتها التصديرية عبر قنوات غير مباشرة واسواق بديلة في آسيا.

لكن حرب النفط لا تتوقف عند حدود العقوبات الاقتصادية. فهي تمتد ايضا الى لعبة العرض والطلب في السوق العالمية، حيث تحاول واشنطن تقليص دور النفط الايراني في الاسواق الدولية، مقابل تعزيز حضور منتجين آخرين.

في هذا السياق تتحول دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت الى عناصر اساسية في معادلة الطاقة العالمية. فهذه الدول تمتلك طاقة انتاجية كبيرة تسمح لها بزيادة الانتاج بسرعة نسبية لتعويض اي نقص في الامدادات.

فالمملكة العربية السعودية وحدها تنتج في الظروف العادية ما بين 9 و11 مليون برميل يوميا، وتملك طاقة احتياطية يمكن استخدامها للتأثير في الاسواق. كما تمتلك الامارات والكويت بدورهما قدرات انتاجية مهمة تجعل الخليج العربي يشكل أحد اهم مراكز استقرار سوق النفط العالمية.

غير ان هذه المعادلة ليست خالية من المخاطر. فكلما اشتد الضغط على ايران، ارتفعت احتمالات التصعيد في الخليج، خاصة في محيط مضيق هرمز. وقد لوحت طهران أكثر من مرة بإمكانية تعطيل الملاحة في هذا الممر الحيوي، وهو ما يحصل اليوم مما احدث صدمة كبيرة في اسواق الطاقة العالمية.

فإغلاق المضيق أدى مباشرة الى ارتفاع اسعار النفط بشكل حاد، تجاوز مستويات 120 دولارا للبرميل، وهو ما من شأنه ان يضغط بقوة على الاقتصاد العالمي ويؤدي الى موجات تضخم في الدول الصناعية.

حرب النفط خارج الشرق الاوسط

غير ان المواجهة النفطية لا تقتصر على الخليج. فاذا انتقلنا الى اميركا اللاتينية نجد ان فنزويلا تمثل بدورها ساحة اخرى من ساحات هذا الصراع العالمي. فهذه الدولة تمتلك اكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم يقدر بنحو 300 مليار برميل.

ورغم هذه الثروة الهائلة، عانت فنزويلا خلال العقد الماضي من ازمة اقتصادية عميقة بسبب العقوبات الدولية والازمات السياسية الداخلية. وقد تراجعت صادراتها النفطية بشكل كبير مقارنة بمستوياتها السابقة التي كانت تتجاوز 3 ملايين برميل يوميا.

ودفع ثمن هذها المواجهة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي “اختطفته” الولايات المتحدة بعد اتهامه بإدارة نظام سياسي معاد لها، فيما ترى كاراكاس ان ما يحدث ليس سوى محاولة للسيطرة على ثرواتها النفطية.

وقد تعرضت الحكومة الفنزويلية لسلسلة من الضغوط الدولية شملت عقوبات اقتصادية وقيودا على قطاع النفط، وهو ما جعل فنزويلا تبدو في نظر كثير من المراقبين جزءا من معركة اوسع حول من يملك النفط ومن يحدد قواعد السوق العالمية.

في هذا السياق تتقاطع ملفات ايران وفنزويلا بشكل لافت. فكلا البلدين يخضعان لعقوبات اقتصادية قاسية، وكلاهما يمتلك احتياطيات نفطية ضخمة، كما انهما يحاولان ايجاد منافذ بديلة لتصدير النفط بعيدا عن النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

وقد شهدت السنوات الاخيرة تعاونا متزايدا بين طهران وكاراكاس في مجالات الطاقة، حيث ساعدت ايران فنزويلا في اصلاح بعض مصافي النفط المتوقفة، كما شاركت في عمليات نقل الوقود والتكنولوجيا النفطية.

خريطة القوى النفطية في العالم

ولفهم الصراع الدائر حول النفط، لا بد من النظر الى خريطة الاحتياطيات والانتاج في العالم. فالثروة النفطية ليست موزعة بشكل متوازن، بل تتركز في عدد محدود من الدول.

وتشير المعطيات الدولية الى ان اكبر الاحتياطيات المؤكدة توجد في:

  • فنزويلا : نحو 300 مليار برميل
  • المملكة العربية السعودية : نحو 267 مليار برميل
  • ايران : نحو 208 مليارات برميل
  • كندا : نحو 170 مليار برميل
  • العراق : نحو 145 مليار برميل

اما من حيث الانتاج اليومي فتتصدر القائمة:

  • الولايات المتحدة : اكثر من 12 مليون برميل يوميا
  • المملكة العربية السعودية : نحو 10 ملايين برميل يوميا
  • روسيا : نحو 10 ملايين برميل يوميا

هذه الارقام تظهر بوضوح ان سوق النفط العالمية تقوم على مثلث قوة رئيسي يتكون من الولايات المتحدة وروسيا والسعودية، بينما تشكل دول مثل ايران وفنزويلا احتياطيا استراتيجيا ضخما لكنه مقيد بالعقوبات والصراعات السياسية.

أوبك وتحالف أوبك+

وفي خضم كل هذا، يلعب تحالف منظمة الدول المصدرة للنفط، المعروف باسم أوبك، دورا محوريا في تنظيم سوق النفط العالمية. وقد تأسست المنظمة عام 1960 بهدف تنسيق سياسات الانتاج بين الدول المنتجة للحفاظ على استقرار الاسعار.

لكن التحول الاكبر جاء بعد تشكيل تحالف أوبك+ الذي يضم دول المنظمة الى جانب منتجين كبار مثل روسيا.

ويتحكم هذا التحالف اليوم في:

  • نحو 40 بالمئة من الانتاج العالمي للنفط
  • اكثر من 70 بالمئة من الاحتياطيات العالمية

وهو ما يمنحه قدرة كبيرة على التأثير في الاسعار عبر قرارات خفض او زيادة الانتاج.

سيناريوهات مستقبل سوق النفط

اذا استمرت التوترات في الخليج وطالت الحرب على ايران التي مست دول الخليج كذلك، فإن سوق النفط قد تواجه عدة سيناريوهات محتملة.

  • السيناريو الاول: اضطراب محدود

تبقى التوترات السياسية دون تعطيل فعلي للإمدادات، وقد ترتفع الاسعار الى حدود 90 او 100 دولار للبرميل.

  • السيناريو الثاني: تواصل تعطيل مضيق هرمز

اذا تعرضت الملاحة في مضيق هرمز لاضطراب كبير، فإن نحو 20 مليون برميل يوميا قد تتأثر، ما قد يدفع الاسعار الى اكثر من 120 او حتى 150 دولارا للبرميل.

  • السيناريو الثالث: اعادة تشكيل سوق الطاقة

في حال استمرار الصراع لسنوات، قد تتجه الدول الكبرى الى تسريع التحول نحو الطاقات البديلة مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين الاخضر.

لكن هذا التحول لن يحدث بسرعة، لأن الاقتصاد العالمي ما يزال يعتمد بشكل كبير على النفط في النقل والصناعة والبتروكيميائيات.

وختاما، تكشف التطورات الجارية حول ايران وفنزويلا والخليج ان النفط ما يزال في قلب الصراع الجيوسياسي العالمي. فالدول الكبرى تدرك ان السيطرة على مصادر الطاقة لا تعني فقط ضمان الامن الاقتصادي، بل تمنح ايضا نفوذا سياسيا واستراتيجيا واسع النطاق.

ورغم الحديث المتزايد عن الانتقال الطاقي، فإن العالم سيظل خلال العقود القادمة مرتبطا بالنفط بشكل وثيق. ولذلك فإن الصراع حول هذه الثروة لن يتراجع في المدى القريب، بل قد يتخذ اشكالا جديدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والجوانب العسكرية..

وبالتالي، فان ما نشهده اليوم في منطقة الخليج وبعيدا عن ذلك في فينزويلا، ليس سوى فصل جديد من صراع قديم حول من يملك مفاتيح الطاقة في العالم، ومن يمتلك القدرة على توجيه مسار الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى