
لم يعد الصراع في اليمن شأنا داخليا بحتا،بل تحول الى ساحة تقاطع مصالح اقليمية ودولية، تتداخل فيها الحسابات الامنية والاقتصادية والجيوسياسية. فخريطة النفوذ التي تتقاسمها أربع قوى محلية تعكس في العمق توازنات اقليمية دقيقة، تقودها اساسا المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة، كل وفق اولوياته الاستراتيجية ورؤيته لمستقبل اليمن.
خريطة داخلية ممزقة ومشاريع متناقضة
يظهر المشهد الميداني ان اليمن يتجه نحو تكريس واقع التقسيم غير المعلن. ففي الجنوب، تفرض القوات الحكومية الجنوبية سيطرتها على عدن ومحافظات لحج والضالع وابين وشبوة وسقطرى، مع تمدد لافت نحو حضرموت والمهرة. هذا التوسع لا يمكن فصله عن دعم اقليمي مباشر وغير مباشر، يهدف الى خلق قوة مستقرة قادرة على ضبط الموانئ وخطوط الملاحة وتأمين بحر العرب وخليج عدن.
في المقابل، يتركز نفوذ مجلس القيادة الرئاسي في مأرب وتعز ومناطق الطاقة، في وضع يعكس أكثر شرعية سياسية منه سيطرة فعلية، بينما تتراجع القوى الاخوانية امام الضغوط العسكرية والسياسية، وتخوض اشتباكات متفرقة للدفاع عن مواقعها، خصوصا في وادي حضرموت.
اما الحوثيون، فيواصلون ترسيخ سلطتهم في الشمال، مستفيدين من التشتت داخل المعسكر المناهض لهم، ومن دعم اقليمي خارجي عزز قدراتهم العسكرية، وجعلهم رقما صعبا في معادلة الامن الاقليمي.
السعودية: بين أمن الحدود وهاجس الاستقرار
تنظر المملكة العربية السعودية الى اليمن من زاوية امنها القومي بالدرجة الاولى. فحدودها الجنوبية الطويلة، والتهديدات العابرة لها، تجعل اي فوضى يمنية خطرا مباشرا. لذلك انتقلت الرياض خلال السنوات الاخيرة من خيار الحسم العسكري الى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على تقليل التصعيد، وفتح قنوات تفاوض غير مباشرة مع الحوثيين، مع الحفاظ على دعمها لمجلس القيادة الرئاسي كإطار شرعي معترف به دوليا.
غير ان هذا التوازن يبدو هشّا. فضعف المجلس ميدانيا، وتنامي نفوذ القوات الجنوبية، يضعان الرياض امام معادلة صعبة: دعم وحدة اليمن شكليا، مع القبول الضمني بوقائع تقسيمية تفرضها الضرورات الأمنية بالرغم من ان مواقف المملكة السابقة اثبتت رفضها لكل تقسيم يمس الدول العربية مثلما كان موقفها من السودان والعراق… كما ان ملف مأرب، بما يحتويه من ثروات طاقية، يبقى خطا احمر سعوديا، لما له من تأثير مباشر على الاقتصاد اليمني وعلى قدرة الشرعية على الاستمرار.
الامارات: نفوذ بحري واستراتيجية الموانئ
على عكس المقاربة السعودية، تنطلق الامارات من رؤية جيوسياسية بحرية، تركز على الموانئ وخطوط التجارة الدولية. فحضورها القوي في عدن وسقطرى والسواحل الجنوبية يعكس استراتيجية تهدف الى ضمان امن الملاحة في باب المندب وبحر العرب، ومنع اي قوى معادية من تهديد هذه الممرات الحيوية.
دعم ابوظبي للقوات الجنوبية لم يكن مجرد خيار عسكري، بل جزء من مشروع طويل الامد لإعادة تشكيل الجنوب ككيان مستقر، ولو على حساب وحدة الدولة اليمنية. هذا التوجه يضع الامارات في موقع متقدم ميدانيا، لكنه في الوقت ذاته يخلق تباينات مع السعودية، التي لا تزال رسميا متمسكة بخيار الدولة الموحدة وعبرت عن موقفها تجاه الامارات بشدة وأجبرتها على الانسحاب ورفع اليد عن اليمن.
البعد الدولي: مصالح بلا حلول
على المستوى الدولي، تراجع الاهتمام الغربي باليمن مقارنة بسنوات الحرب الاولى، لصالح ملفات أكثر الحاحا. غير ان البحر الاحمر وباب المندب اعادا اليمن الى واجهة الحسابات الدولية، خاصة مع تصاعد التوترات الاقليمية. الولايات المتحدة والقوى الاوروبية تركز اليوم على ضمان حرية الملاحة واحتواء اي تصعيد قد يهدد التجارة العالمية، أكثر من تركيزها على اعادة بناء الدولة اليمنية.
هذا المنظور النفعي جعل المجتمع الدولي يتعايش مع سلطات الامر الواقع، سواء في الشمال او الجنوب، ويضغط باتجاه تهدئة طويلة، لا سلام شامل.
تسوية مؤجلة وصراع مفتوح
في ظل تباين الاجندات الاقليمية والدولية، يبدو ان اليمن مقبل على مرحلة ادارة صراع لا حل له. فالسعودية تسعى الى حدود آمنة وخروج تدريجي من الحرب، والامارات تعمل على تثبيت نفوذها البحري رغم الضغوطات الخارجية وخاصة منها السعودية، فيما تواصل القوى المحلية صراعها على الارض، دون مشروع وطني جامع.
النتيجة ان اليمن يتحول تدريجيا من دولة موحدة الى فضاء نفوذ متعدد، تحكمه توازنات السلاح والدعم الخارجي، في انتظار تسوية كبرى قد لا تولد الا مع تغير عميق في موازين الاقليم.





