اقتصاد

المنافسة كرافعة لمكافحة الفقر المدقع في البلدان النامية

تقرير مُنجز في إطار مشروع "سافوار إيكو" من قبل  Expertise France تم اعداده  من قبل مؤسسةSMU (South Mediterranean UniversityMSB+MedTech))  بقلم كل من هند غزاي أستاذة النماذج الكمّية في MSB et EPI Lab ووداد هميسي الأستاذة المحاضرة في مادة الاقتصاد MSB et EPI Lab وسناء مامي كافي أستاذة محاضرة في الاقتصاد MSB et EPI Lab.

في ظل واقع عالمي يعيش فيه نحو 700 مليون شخص في حالة فقر مدقع، تظل مكافحة هذا الكابوس الاجتماعي تحديًا كبيرًا، لا سيما في البلدان النامية. لقد أثبتت السياسات التقليدية للدعم المباشر — مثل التعليم، الصحة، السكن، والتحويلات المالية — أنها غالبًا غير كافية، بل تحمل مخاطر خلق تبعية اقتصادية تؤدي إلى حبس بعض الفئات في دوائر فقر يصعب الخروج منها.

في مواجهة هذا الوضع، يطرح الباحثون نهجًا جديدًا: هل يمكن للمنافسة الاقتصادية أن تصبح أداة غير مباشرة، لكنها فعالة، للحد من الفقر؟ وفقًا لدراسة نظرية وتجريبية حديثة (Ghazzai  وآخرون، 2023)، يعتمد تأثير المنافسة على الفقر المدقع بشكل كبير على هيكل ملكية الشركات في البلدان المعنية.

في الدول التي تتميز بتركيز الملكية — أي حيث تمتلك أقلية صغيرة غالبية وسائل الإنتاج — يمكن لتكثيف المنافسة أن يعزز خلق فرص العمل، ويحفز الاستثمار، ويقلل من معدلات الفقر. وبالتالي يُنصح حكومات هذه الدول بتبني سياسات تشجع المنافسة: تسهيل دخول رواد الأعمال الجدد للأسواق، مكافحة الممارسات المناهضة للمنافسة، وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال الشاملة. ولعب التعليم دورًا محوريًا في هذا المجال، بدءًا من التعليم الابتدائي، من خلال تنمية روح المبادرة وتشجيع المبادرات المحلية.

أما في الاقتصادات ذات الملكية الموزعة، حيث يملك عدد كبير من الشركات الصغيرة حصة من السوق، فقد يؤدي الإفراط في المنافسة إلى تراجع أرباح الشركات وتقليص قدرتها على الاستثمار، مما يزيد من حدة الفقر. وفي هذه الحالات، يصبح من الضروري مزج التحرير الاقتصادي مع إجراءات حماية موجهة: دعم الفئات الضعيفة من خلال منح محددة للتعليم والصحة والتغذية والسكن، دعم الشركات الصغيرة الضعيفة، توفير برامج تدريبية ومساندة فنية وتجارية، وتنفيذ سياسات إعادة توزيع عبر الضرائب والحد الأدنى للأجور.

وقد مكنت الدراسة التجريبية من تحديد حد أدنى للرسملة السوقية، يفصل تأثير المنافسة: ففي الدول التي تقل رسملتها عن 44,34٪، يسهم رفع مستوى المنافسة في الحد من الفقر المدقع، بينما في الدول الأعلى من هذا الحد، قد تؤدي المنافسة المفرطة إلى تفاقمه.

لذلك، يفرض العولمة وانفتاح الأسواق على صناع القرار اعتماد نهج متوازن: إذ يجب تكييف السياسات الاقتصادية مع هيكل الملكية الوطني لتصبح المنافسة رافعة حقيقية للتنمية الاجتماعية. فالمنافسة، عند وضعها في الإطار الصحيح، لا تقتصر على كونها أداة اقتصادية فحسب، بل يمكن أن تكسر دائرة الفقر المدقع، وتفتح آفاقًا للنمو الشامل والمستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى