- اغتيال علي لاريجاني، يُبرز تمادي الفهم المشوّه لطبيعة الأنظمة العقائدية وخاصة الشيعيّة
- إيران…ليست ثيوقراطية بالمعنى السُّني التقليدي، ولا ملكيّة، ولا ديمقراطية مؤسساتية بالمعنى الغربي
- قد تنجح الحروب في إصابة هدف ثمين، لكنها لا تجلب النصر، لأن الهدف القاتل عصيٌّ عن التعريف.
حامد بن إبراهيم/ باحث واستشاري في العلاقات الدولية 
*****
على وقع تصعيدٍ خطير في التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عادت إلى الواجهة فرضية قديمة في التفكير الاستراتيجي: هل يمكن حسم الصراع عبر استهداف رأس النظام أو أقوى رموزه؟
وباغتيال المرشد علي خامنئي تصور ترامب أنه تخلص من فتوى الثأر لقاسم سليماني وأمّن حياة عائلته، لكنه لم يفهم، ولم يصدق تحاليل معاونيه الذين حتما أكدوا له، أن الشيعة لا ينتقمون للشخص من الشخص وإنما ينتقمون بإنهائه كمشروع. وفعلا إيران تنتقم لسليماني بنصرة غزة ولبنان، وبتمكين اليمنيين من السيطرة على باب المندب. والان تنتقم بإنهاء الوجود الأمريكي في الإقليم.
واقدام إسرائيل على اغتيال أقرب معاوني خامنائي الأب والابن، الدكتور علي لاريجاني، يُبرز سؤالا أعمق من الحدث نفسه: ماذا لو كان الاغتيال كخيار عملياتي، في جوهره، قائمًا على تمادي الفهم المشوّه لطبيعة الأنظمة العقائدية وخاصة الشيعيّة؟
وفي زمنٍ تتكاثر فيه التحليلات وتتشابه، حتى تكاد تُقرأ كنسخٍ مكررة، نحتاج إلى زاوية مختلفة لفهم الصراعات الكبرى والنّظر إلى ما وراء الوقائع وتأصيلها، في سياق أنماط التفكير التي تحكم الفاعلين. فالسؤال لم يعد فقط: من يملك القوة؟ بل أيضًا: كيف يفكّر من يستخدمها؟ هنا يمكن قراءة المشهد كصدام بين عقليتين: عقلية لاعب الشطرنج، وعقلية لاعب البوكر. الأولى تبني قدراتها، وتُراكم، وتصبُر، وحركتها جزء من سلسلة حركات محسوبة، في مواجهة عقلية مندفعة، ومقامرة، ومستعجلة للوصول الى النتائج. عقلية البوكر -الامريكية خاصة- تُراهن وتخادع، وتسعى إلى الحسم السريع، وغالبا بمخاطرة عالية.
ضمن هذا التصور، يبرز ما يمكن تسميته-استعارةً- بـ”النهج المقدوني”: أي الاعتقاد بأن إسقاط الرأس كفيلٌ بإرباك الجسد أو إسقاطه، على غرار ما يُنسب تاريخيًا إلى حروب الإسكندر الأكبر. هذا هو وهم الانتصار بإسقاط الرأس: الفكرة التي تختزل الأنظمة في قادتها، وتفترض أن “إسقاط الملك” هو الطريق الأقصر للنصر. لكن، هل تُحسم الحروب فعلًا بهذه البساطة؟
الإجابة تصبح أكثر تعقيدًا حين ننظر إلى نماذج لا ينطبق عليها هذا المنطق. هنا تبرز خصوصية إيران، التي لا يمكن تصنيف نظامها بسهولة. فهي ليست ثيوقراطية بالمعنى السُّني التقليدي، ولا ملكيّة، ولا ديمقراطية مؤسساتية بالمعنى الغربي الخالص. إنها بنية هجينة، تعمل ضمن شبكة من التوازنات الداخلية، وتجمع الشرعية الدينية والثورية مع التسيير المؤسساتي الصارم.
ومن المفارقات أن هذه الدولة – التي تخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة- تشترك معها، ولو جزئيًا، في فكرة “التوازن والرقابة check and balance “. فداخل النظام الإيراني تتوزع السلطة على هياكل متعددة للمراقبة والتعديل، ما يجعل منه منظومة قادرة على امتصاص الصّدمات. هنا، لا يعود السؤال: من هو الملك؟ بل: هل الملك أصلًا شخص يمكن إسقاطه؟ وما لا يفهمه ترامب أن القائد في الفهم الشيعي لا يختزل القيادة في شخصه، وإنما يمارسها وظيفيّا، وأعلى درجات الوفاء بالمسؤولية هو الموت من أجل التّكليف.
ومن منظور رقعة الشطرنج في العقلية الفارسية، يمكن تأمّل موقع علي خامنئي لا كـ“ملك” بالمعنى المباشر، بل كجزء من منظومة أوسع. وعندما لا يكون الملك شخصًا، بل فكرة أو بنية، فإن استهدافه لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة المتوقعة. هذا ما يجعل “إسقاط الملك” كاستهداف للنظام سؤالًا مفتوحًا، لا إجابة جاهزة له.
وإذا كانت السياسة تفكك عبر استحضار التاريخ، فإن قراءة كهذه لا تكتمل دون الإشارة لأهمية البعد الرمزي في الثقافة الشيعية، حيث تتقاطع ممارسة السلطة مع الذاكرة والسردية المرتبطة بملحمة كربلاء. هنا، لا تعني الهزيمة نهايةً، بل قد تتحول إلى لحظة تأسيس جديدة، وفرصة لتُعاد صياغة المعنى بدل أن ينتهي.
هذه الفكرة لا تظل حبيسة النظرية، بل تجد صدى لها في الواقع. فمحاولات “الضربة القاصمة” لا تنجح دائمًا. فمثلا في لبنان، لم يؤدِ استهداف السيد حسن نصر الله إلى تفكيك حزب الله، الذي أظهر قدرة لافتة على الصبر وإعادة التشكل تحت القصف. وعلى مدى أشهر من الضربات، لم تكن النتيجة انهيارًا بقدر ما كانت إعادة ترتيب بمنطق „والكاظمين الغيظ”. ولهذا، لم يكن غريبًا أن يُشبَّه هذا النمط بطائر الفينيق: يموت ليولد من جديد.
من الإسكندر إلى الفينيق، تتكرر المفارقة نفسها، وتفشل “الضربة القاصمة”، لأن بعض الأنظمة لم تُبنَ لتسقط بسقوط الأفراد، بل لتستمر عبرهم أو رغم غيابهم، بتحولهم الى أيقونات تُلهم وتحثُّ على المواصلة. وتجارب التاريخ أثبتت أنّ قتل “الملك” لا ينهي المواجهة في الفضاء الشرقي وخاصة الكربلائي، لأن الفكرة تبقى وتعيد إنتاج نفسها. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى: قد تنجح الحروب في إصابة هدف ثمين، لكنها لا تجلب النصر لأن الهدف القاتل عصيٌّ عن التعريف.
وختاما، ربما لا يقدّم هذا الطرح تفسيرًا جيوسياسيا بالمعنى التقني الأكاديمي للكلمة، لكنه يفتح بابًا لأسئلة لها علاقة وثيقة بتواصل الصراع في الإقليم، واستعصاء إيجاد الحلول بسبب خطأ المحتل والمعتدي في تعريف الخصم. ولعلّ القدرة على إعادة طرح السؤال، في عالمٍ يزداد تعقيدًا، أهم من الأجوبة السّريعة التي لا تنبني على مقدمات موثوقة.





