
لو بوان تي-أن:
في ظل تصاعد الانقسامات العربية وتراجع فاعلية الأطر المشتركة، يقدّم هذا المقال قراءة نقدية هادئة لمأزق العمل العربي، بعيدًا عن الحنين الوحدوي أو التسليم بمنطق التفكك. يطرح الكاتب مفهوم «الفضاء العربي» ليعيد إثارة سؤال إدارة الاختلاف بوصفه مدخلًا للعقلانية السياسية، داعيًا إلى تجاوز إيديولوجيات القرن الماضي نحو صيغ تنسيق واقعية تستجيب لتحولات النظام الدولي ومصالح شعوب المنطقة.
المقال
يصعب اليوم تناول الوضع العربي من زاوية «الخيار الوحدوي» دون شبهة الوقوع في أسر الإيديولوجيا، ودون المجازفة بالاتهام بالماضوية. وفي هذه المساحة المحدودة، سنسعى للالتزام بمنهجية لا تغرق في الحنين إلى تجاربٍ تقييـمها خلافي، ولا تعيد إنتاج خطاب الإحباط، بل تحاول إعادة هندسة المفاهيم بدل استهلاكها أو شيطنتها. من هنا تبرز أهمية اللجوء إلى مفهوم «الفضاء العربي»، بدل اعتماد تسميات أكثر تداولًا مثل «الأمة العربية» أو «الوطن العربي»، تجنبا للشحن السياسي والإيديولوجي الذي تستحضره.
من المسلم به افتقار هذا “الفضاء” إلى الحد الأدنى من النجاعة في توظيف وتثمين ما يزخر به من مقومات وازنة، جيوسياسية وبشرية واقتصادية وثقافية. وبعد أكثر من قرن على تشكّل الدولة القُطرية العربية، وعقود من التجارب الوحدوية المتعثّرة والتحولات الإيديولوجية المتتالية، لم يعد السؤال المركزي هو: لماذا لم تتحقق الوحدة العربية؟ بل بات السؤال الأكثر إلحاحا: لماذا عجز العرب، رغم الانتماء إلى فضاء حضاري واحد، عن إدارة اختلاف رؤاهم ببراغماتية؟ وما الذي حال دون تحويل المشترك الثقافي والتاريخي إلى رافعة مصالح حقيقية؟
والغاية من طرح هذه الأسئلة ليست البحث عن وحدة هُويّاتية متخيّلة تحاكي التجارب الأوروبية في نظام «الدولة-الأمة»، بل الاهتمام بمجال جغرافي-حضاري حقيقي تتقاطع داخله المصالح، ويُفترض أن تُدار هذه التقاطعات بمنطق عقلاني براغماتي. والغاية بديهية، وهي خدمة مصلحة شعوب المنطقة، التي تستحق أن تكون أكثر من ثقل استهلاكي للأمم الأخرى، وعالة عليها في أغلب المجالات من علوم ودواء وأسلحة.
وفي ظل غياب الأداء العربي المنسّق في السياسة الدولية، تُطرح هذه الأسئلة بحدّة، خاصة مع العجز شبه الكامل عن التأثير، ولو من الزاوية الإنسانية، في مجريات حرب الإبادة الجماعية على غزة. فالطرف المقابل، كيان مستحدث محدود المساحة والثقل الديمغرافي، نجح رغم ذلك في فرض معادلة ردع إقليمي، وتحول إلى قوة سياسية وعسكرية مهيمنة، لا يكبح تمددها إلا قوى مقاومة غير نظامية تعمل خارج أطر الدولة التقليدية.
ويُعزى هذا الإخفاق غالبًا إلى غياب مشروع وحدوي عربي جامع، وكأن الخلاص يكمن في «الإطار المُهَيكل» كمستهدف. غير أن مراجعة تاريخ قرن كامل من التجارب تُظهر أن المعضلة لم تكن في غياب الوحدة بقدر ما كانت في غياب القدرة على العمل المشترك، وإدارة التنوّع، وبناء مؤسسات تنسيق فعّالة بين دول ذات مصالح متباينة، ولها سيادات قائمة لا تُنازع في جوهرها ولا في استحقاق وجودها.
تاريخيًا، عرف الفضاء العربي فترات خضوع لسلطة مركزية واحدة، من العصر الأموي إلى العباسي، وصولًا نسبيًا إلى العهد الفاطمي. غير أن هذه التجارب، على رمزيتها، لا تصلح كنماذج جاهزة لإدارة مجتمعات معاصرة شديدة التعقيد.
أما في القرن العشرين، فقد جاءت المشاريع الوحدوية محمّلة بإيديولوجيات كبرى، تنزّلت في سياق زرع النزعة القومية التركية واستهداف الخلافة العثمانية، بقطع النظر عن الموقف من أداء العثمانيين. ورغم اختلاف هذه المشاريع، فقد اشتركت في عجزها عن التحول إلى مشاريع مؤسساتية ناجحة. فمن القومية السورية عند أنطون سعادة، إلى الناصرية بتجربتها العملية وتطويرها النظري من قبل الدكتور عصمت سيف الدولة، مرورًا بالفكر البعثي عند ميشال عفلق وتجربتَيه في العراق وسوريا، وصولًا إلى الطرح الجماهيري عند معمر القذافي، كان التعثر واحدًا والهشاشة الفكرية مشتركًا جوهريًا.
لم يكن هذا الفشل وليد الاستنزاف الخارجي وحده، بل نتج أيضا عن اختزال الوحدة العربية في مشاريع مركزية ذات طابع فوق-دَولَتي، اصطدمت مباشرة بمنطق الدولة القُطرية ومصالح نخبها السياسية والاقتصادية، لا سيما في ظل اختلاف مرجعيات السلطة بين أنظمة ملكية وأخرى جمهورية. هذا الاصطدام حوّل القومية من إطار جامع إلى عبء سياسي، وأضعف فرص التكامل العملي.
وتكشف العودة إلى كتابات منظّرين أوائل للقومية العربية، مثل ساطع الحصري، وقسطنطين زريق، وعبد العزيز الدوري، أن القومية في أصلها لم تُطرح بوصفها مشروع دولة عابرة للحدود، بل كحقيقة ثقافية-تاريخية قوامها اللغة المشتركة، والتراكم الحضاري، والوعي الجمعي الاندماجي القائم أصلا بحكم الموروث التاريخي. هذا الفهم يتيح إعادة تأهيل الوحدة بوصفها إطارًا ثقافيًا جامعًا لا يتناقض مع الدولة الوطنية، بل يمكن أن يعمل في تكامل معها.
القصور الهيكلي لآليات العمل العربي المشترك
يعاني العمل العربي المشترك من قصور هيكلي مزمن. فقد وُلدت جامعة الدول العربية ضعيفة، وأسهمت آلية الإجماع في ضرب فاعليتها، كما أدى استعمالها في بعض القضايا ضد أعضائها إلى فقدان المصداقية وتقويض قدرتها على تأدية دورها الأصلي الجامع. وتفاقم عجز الجامعة مع تراجع الدور المصري كقوة إقليمية محورية، مقابل تمكن قوى غير عربية، كتركيا وإيران، من استرجاع وزن إقليمي كافٍ للتموضع بين الأقطاب، بالتعاون أو بالصدام. أما التجمّعات العربية الإقليمية، كاتحاد المغرب العربي أو مجلس التعاون الخليجي، فقد تعثّرت بدورها بفعل الخلافات السياسية وغياب الرؤية التكاملية الاستراتيجية، التي تحتاج إلى توافقات ولو مقابل تنازلات تكتيكية مؤلمة أحيانًا. أما العراق والشام (الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين)، فأبعد ما يكون عن الاندماج في رؤية جهوية براغماتية.
وقد يفيد النظر في نموذج «الدوائر المُتدرِّجة» أو «التحالفات الجزئية»، حيث يمكن لمجموعة محددة من الدول العربية دون شرط الجوار، العمل المشترك ضمن إطارٍ قطاعيٍ محددٍ (أمن غذائي، بحث علمي، صناعة أدوية، تسلّح…)، مع توسيع نطاق التنسيق تدريجيًا، بدل المراهنة على اتفاق شامل قد لا يتحقق، أو يُعقد دون التزام جاد بالتطبيق. والتجربة الجزائرية–القَطرية في إنتاج الحليب بمستوى صناعي، حرية بالمتابعة كمبادرة قد تتنزل في سياق «تحالف جزئي / قطاعي استراتيجي».
وبعيدًا عن أي تقييم سياسي، يُعتبر نجاح إيران في تكوين محور أو جبهة مع فاعلين غير نظاميين في لبنان واليمن والعراق وفلسطين، وتمكينهم من التقنية لتحقيق الاستقلالية العملياتية في المواجهات، ظاهرة تستحق التأمل بعمق، بعيدًا عن استسهال الخلاصات من قبيل الالتقاء المذهبي وثنائية المركز والأذرع.
كلفة غياب التفاعل المصلحي
لا تقتصر نواقص الفضاء العربي على المستوى المؤسسي، بل تمتد إلى النسيج المجتمعي نفسه. إذ تشهد المجتمعات صعود نزعات قُطرية وعرقية وثقافية ضيقة، تحوّل بعضها من تعبير ثقافي إلى مشروع سياسي بديل.
وتتجلّى المخاطر الميدانية لهذه الظواهر التفكيكية في تهديدات التقسيم في السودان واليمن، وصعوبة إعادة بناء الدولة في سوريا، وهشاشة الوضع السياسي والأمني في العراق، فضلًا عن توترات شمال إفريقيا التي تتضاعف بسبب هشاشة منطقة الساحل.
ويترتب على غياب التفاعل المصلحي كلفة استراتيجية تراكمية، تتمثل في هشاشة تنموية، وضعف في التبادل البيني، واقتصاد تابع يعاني من غياب التنسيق في مجالات حيوية، كالغذاء والطاقة والدواء والبحث العلمي.
ورغم توفر الموارد المالية لدى دول عربية عديدة، فإن بعضها يفتقر إلى الثقل الديمغرافي اللازم لبرامج تصنيع استراتيجية، في حين تمتلك دول أخرى العامل البشري والكفاءات العلمية وتفتقر إلى التمويل. والاختلالات الهيكلية في قدرات الدول ليست لب الاشكال، بل المعضلة في العجز عن إدارتها ضمن سياسة تكاملية.
ويصبح هذا العجز أكثر خطورة في عالم يتجه نحو التكتلات. فالتوازنات الجيوسياسية التي تمر بإعادة تعيير بالنار (أوكرانيا، الشرق الأوسط، السودان، الكونغو، مالي، فنزويلا) لا تنتظر المترددين، والفراغات الاستراتيجية تملؤها قوى إقليمية ودولية غير عربية. ومن باب المقارنة واستخلاص العبر، يُظهر الاتحاد الأوروبي أن التعدد لا يمنع بناء توافقات استراتيجية صلبة، أساسها الالتزام بالثوابت الكبرى، وخاصة رفض المساس بالسلامة الترابية لأي دولة عضو.
نحو طرح ما بعد-قومي عقلاني
أمام هذا الواقع، لم تعد مشاريع الوحدة العربية الشاملة هدفا واقعيا في السياق الراهن، كما لم تعد إيديولوجيات القرن الماضي قادرة على إنتاج أطر اندماجية قابلة للحياة. غير أن الإقرار بذلك لا يعني القبول بالتفكك، بل يفرض البحث عن بدائل عقلانية تقوم على التكامل البراغماتي، وبناء أطر تنسيق مرنة داخل فضاء ثقافي جامع.
في هذا المعنى، ومن منطلق طرحٍ يمكن اعتباره «ما بعد-قومي عقلاني»، لا يهادن الوهم ولا يخاصم الهوية، لا يحتاج العرب إلى معجزة تاريخية، بل إلى شجاعة فكرية تعترف بأن المستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بتكامل واقعي بإدارة عقلانية وذكية للاختلاف، وتبنّي خيط ثقافي ناظم يمنع تحوّل التاريخ والعقائد واللغات إلى أدواتِ صراع. والشرط الجوهري لذلك، هو الانتقال من وهم البحث عن التطابق إلى التعايش المتضامن، وتجاوز الخطاب الهُويّاتي التعبوي إلى عقلية التفاضل بالعمل والاستشراف العقلاني.
وختامًا، إن ما أمكن تحقيقه في بغداد والقيروان والأندلس وقاهرة المعز، في عصور أقل تحكمًا في التقنية وصعوبات الاتصال، ليس مستحيلًا اليوم في زمن انسياب المعلومات والطفرة الصناعية. ومن يفهم معنى «التاريخ نظر وتحقيق»، قد يجد في فصول «دستور المدينة» ما يستحق التمعن والتدبر، لأن الوثيقة تكتنز رؤية سبّاقة ومتطورة لكيفية إدارة الشأن العام على أساس المشترك الأخلاقي، في كنف احترام التعدد أيًا كانت طبيعته. وهذه رؤية قد تساعد المهتمين بوضع استراتيجيات التكامل الواقعي في الفضاء العربي للزمن الراهن والمستقبل.





