عادت العلاقات بين الجزائر وباريس الى واجهة المشهد من جديد، بعد اعلان البلدين توقيع عدد من الاتفاقات أهمها المتعلقة باعادة تفعيل التعاون الامني والاستخباراتي، وذلك في اعقاب زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز الى العاصمة الجزائرية التي استمرت يومين. خطوة تبدو في ظاهرها تقنية ومرتبطة بملفات امنية بحتة، لكنها في العمق تحمل دلالات سياسية تتجاوز بعدها الاجرائي.
توتر متجدد في علاقة تاريخية معقدة
العلاقات بين الجزائر وفرنسا لم تكن يوما مستقرة بشكل كامل، بحكم التاريخ الاستعماري الثقيل الذي خلفته حرب التحرير (1954-1962)، وما تلاه من تراكمات سياسية وذاكرات متصادمة. ورغم محاولات التهدئة المتكررة، بقيت العلاقة رهينة ثلاثية حساسة: الذاكرة، الهجرة، والامن.
خلال الاشهر الماضية، شهدت العلاقات فتورا ملحوظا على خلفية تصريحات سياسية متبادلة وتصعيد على ضوء بعض الايقافات وما اعتبر تدخل في المسائل السيادية، وتعثر في بعض ملفات التعاون، اضافة الى توترات مرتبطة بملف التأشيرات وترحيل المهاجرين غير النظاميين. كما انعكس المناخ السياسي الداخلي في البلدين على طبيعة الخطاب المتبادل، خاصة في ظل صعود تيارات يمينية في فرنسا تستثمر في ملف الهجرة والامن.
لماذا التعاون الامني الان؟
اعادة تفعيل التعاون الامني والاستخباراتي لا يمكن فصلها عن السياقين الاقليمي والدولي. فالمنطقة المغاربية والساحل الافريقي تشهد تحديات امنية متصاعدة، من تنامي شبكات التهريب والهجرة غير النظامية الى خطر الجماعات المسلحة في منطقة الساحل.
بالنسبة لباريس، التي اعادت تموضعها العسكري في افريقيا بعد انسحابها من مالي وتراجع نفوذها في الساحل، تبقى الجزائر شريكا امنيا محوريا بحكم موقعها الجغرافي وخبرتها في مكافحة الارهاب. اما الجزائر، فهي حريصة على الحفاظ على دورها كفاعل اقليمي اساسي، وعلى ادارة ملف الهجرة والحدود بما يخدم سيادتها ومصالحها الاستراتيجية.
من هنا، يبدو ان البراغماتية الامنية تغلبت مؤقتا على الخلافات السياسية والرمزية.
هل ينعكس الاتفاق على بقية الملفات؟
والسؤال الأهم الذي يبقى قائما هو: هل يمكن للتعاون الامني ان يمهد لتطبيع اوسع في العلاقات؟
التجارب السابقة تشير الى ان التعاون التقني لا يعني بالضرورة تجاوز الازمات السياسية العميقة. فقد شهدت العلاقات الجزائرية الفرنسية في مراحل سابقة تنسيقا امنيا وثيقا، في الوقت الذي كانت فيه الخلافات حول الذاكرة الاستعمارية او التصريحات الرسمية تعصف بالمشهد الدبلوماسي.
الملف التاريخي، بما فيه مطالب الاعتراف والارشيف والتجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، يظل نقطة حساسة. كما ان ملف الجالية الجزائرية في فرنسا، وهي من اكبر الجاليات المغاربية هناك، يشكل بدوره عاملا مؤثرا في رسم السياسات المتبادلة.
بين الواقعية السياسية وحسابات الداخل
لا يمكن قراءة الاتفاقات الامنية بمعزل عن الحسابات الداخلية في البلدين. فالسلطة في الجزائر حريصة على تأكيد استقلالية قرارها وعدم الظهور بمظهر التابع لباريس، خاصة في ظل تحولات جيوسياسية دفعت الجزائر الى تنويع شراكاتها الدولية شرقا وجنوبا.
في المقابل، تواجه الحكومة الفرنسية ضغوطا داخلية متصاعدة في ملف الهجرة والامن، ما يدفعها الى البحث عن صيغ تعاون فعالة مع دول المصدر والعبور، وفي مقدمتها الجزائر.
صفحة جديدة ام هدنة ظرفية؟
من المرجح ان زيارة لوران نونييز وزير الداخلية الفرنسي والاتفاقات الأمنية تشكل نوعا من الهدنة العملية بين البلدين، لكنها لن تكون كافية بمفردها لاعادة صياغة العلاقة بشكل جذري. فالعلاقات الجزائرية الفرنسية محكومة بتوازن دقيق بين المصالح الاستراتيجية والحساسيات التاريخية.
اذا نجح الطرفان في عزل الملفات التقنية عن التجاذبات السياسية، فقد يشكل التعاون الامني مدخلا لاعادة بناء الثقة تدريجيا. اما اذا عادت لغة التصعيد في ملفات سياسية او قضائية وملفات الذاكرة والهجرة، فقد يبقى الاتفاق مجرد محطة عابرة في مسار علاقة تتأرجح دوما بين التقارب والتوتر.
في المحصلة، تبدو العلاقة بين الجزائر وفرنسا محكومة بمنطق الضرورة المتبادلة اكثر من منطق المصالحة الكاملة. اتفاقات اليوم قد تخفف الاحتقان، لكنها لا تلغي اسئلة الماضي ولا تعفي الطرفين من اختبار المستقبل.






