أراء

العدوان على فنزويلا: من هيمنة الدولار إلى سياسة التّمترس الإقليمي

حامد بن إبراهيم باحث في العلاقات الدولية

***

لوبوان- اتسمت العملية العسكرية الامريكية في فينزويلا بالمفاجئة، رغم التوتر الذي كان قائما في العلاقة بين البلدين، خاصة منذ تولي الرئيس ترامب للسلطة. واهتمت وسائل الاعلام بشكل مكثف بالحدث من عدة زوايا، ومن باب الحرص على تعميق التحليل وربط الحدث بسياقات جيو استراتيجية اكثر شمولا، نقدم في ما يلي ورقة تحليلية للخبير الديبلوماسي والباحث في العلاقات الدولية السيد حامد بن إبراهيم.

المقال:

التدخل الأميركي في فنزويلا هو “عدوان” وتعدّ صارخ للشرعية الدوليّة، ومحدودية النطاق أو الفشل لا تأثير لهما بالنسبة لاكتمال أركان التوصيف. فاللجوء إلى عمل عسكري نوعي يستهدف رأس الدولة يُعد في ذاته انتهاكًا صارخًا لمبدأ السيادة. وعدم مشروعية العمل يزداد حدة بالنظر لغياب الشرعية في باقي أدوات الإكراه السياسي والاقتصادي، التي سبقت اللجوء الى القوة.

وما قامت به إدارة ترامب، هو أكثر من سعي لتشتيت الانتباه عن أزمات سياسية واقتصادية داخلية، أوعن تحديات مالية دولية. ويمكن فهمه كمحاولة لإرسال إشارة قوة، تأمل واشنطن من خلالها تلميع صورتها المهتزة، خاصة منذ الانسحاب المهين من أفغانستان والعجز أمام الحوثيين وإيران. ويرى بعض المراقبين أن العكس قد تحقق، إذ برهنت الولايات المتحدة في “مغامرتها الأخيرة”، أن آليات التحكم الغربية وخاصة النقدية، قد أخفقت نهائيا في ضمان السيطرة على مقدرات الدول، دون الاضطرار إلى اللجوء للاستعمار العسكري المباشر.

ولم تكن إدارة ترامب دقيقة في تقديرها للوضع في فنزويلا، عندما اعتبرتها ساحة منخفضة الكلفة، في مناورة لتأكيد قدرتها على فرض واقع جيوسياسي في مجالها القريب؛ دون انزلاق شبيه بحربها على العراق. ويبدو أن واشنطن أساءت تقييم مستوى تجذُّر الفكر البوليفاري المعادي للامبريلية، واستسهلت نجاح سيناريو تغيير النظام، والاستفادة من السيطرة على تدفقات الطاقة في “الشرق الأوسط الكاريبي”. ويتعاظم هذا الخطأ في التقدير الأمريكي بالنظر لوزن الحضور الصيني في فنزويلا، الذي لا يرقى لمستوى التحالف العسكري، لكنه رافعة مالية وتجارية تُقيِّد هامش المغامرة، وتحوّل أي تغيير قسري للنظام إلى مسألة تتجاوز كاراكاس لتطال توازنات أوسع مع بكين.

وحسب تطور الأحداث في كاراكاس، فشلت واشنطن في استثمار الصدمة لفرض أجندتها بتنصيب موالين لها، وقد تضطر للتفاوض مع مادورو الذي يُسيّر خَطّهُ الفكري فنزويلا، بقطع النظر عن حضوره المادي على رأس المؤسسات من عدمه.

ورغم عجز منظومة الأمم المتحدة في التصدي للتعدي الصارخ على الشرعية الدولية، إلا أن الاستنكار والإدانات قد عمقت درجة اهتزاز مصداقية واشنطن، لا سيما بصدور بعضها من داخل أمريكا ذاتها. وهذا تأكيد على أن النفس اليساري صار يشكل رافدا أساسيا في السياسة الداخلية الأمريكية. والعملية أضعفت عموما مصداقية المعسكر الغربي، ورفعت الحرج عن موسكو في مواجهتها مع أكرانيا؛ وقد تستفيد بيكين مستقبلا مما حدث في تحرك يزداد احتمالية لضم تايوان.

فنزويلا وتأكيد التوتر البنيوي في العلاقات الدولية

لا يقوم النظام الدولي على موازين القوة الصلبة وحدها، بل على عنصر أكثر هشاشة وأعمق أثراً، ألا وهو “الثقة” في جوهر آليّة الاحتياطي النقدي. فالآلية ليست مسألة تقنية أو محاسبية، بل عقداً ضمنياً بين الدول، يفترض أن الأصول السّيادية المودعة خارج الحدود تبقى بمنأى عن الصراعات السياسية، وتحظى بحماية قانونية مستقرة. هذه الثقة هي التي سمحت للدولار الأميركي، ومن بعده اليورو، بأن يتحّولا إلى مخازن قيمة عالمية، وأن يؤديا دور الوسيط المحايد في المبادلات الدولية. غير أن هذا الالتزام، غير التعاقدي، بدأ يتآكل تدريجياً مع تزايد اللجوء إلى الأدوات المالية كسلاح سياسي؛ ما حوّل الاحتياطي من ضمانة للاستقرار إلى مصدرٍ محتملٍ للمخاطر. الاشكال تعمق خاصة في ضل النظام العالمي لما بعد 2008، الذي اعتمد على تدخلات البنوك المركزية وتضخم العجز والأصول الأميركية، بدلاً من الإصلاح البنيوي الحقيقي.

ولفهم خلفيات التمشي الأمريكي، لا بد من توسيع دائرة النظر في النظام المالي والجيوسياسي العالمي؛ الذي دخل على مدى العقد الماضي، وبوتيرة متسارعة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، مرحلة من التصدع البنيوي الواضح. فتجميد احتياطيات النقد الأجنبي الروسية، أدى من جهة، إلى تآكل الثقة في النظام النقدي القائم على الاحتياط بالدولار واليورو، والى تعميق الرّيبة في وثوقية المقاصة عبر نظام السويفت الخاضع للسيطرة الغربية. ومن جهة أخرى، سّرع نسق التكامل الاقتصادي القائم على الفضاء القاري الصلب في أوراسيا.

وغالباً ما تُفسَّر هذه التطورات على أنها قرارات سياسية منفصلة في سياق نزاعات إقليمية، أو ردود فعل قصيرة الأمد. غير أن النظر إليها بالتشابك ووضعها في إطار توجهات الأمن القومي الأمريكية الجديدة، ولجوء ترامب للقوة في فينزويلا، يسمح بفهمها كتعبير عن إعادة تكيّف للقوة الأميركية؛ في عالم تتراجع فيه القدرة على الهيمنة الشاملة بالأدوات الناعمة (النقدية والاتصالية). ولسنا هنا أمام تمظهر لأزمة عابرة، بل نرى مؤشرات على تحول هيكلي متصاعد في بنية النظام الدولي.

وقد استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها مراراً العقوبات المالية ضد دول مثل إيران والعراق وسوريا وليبيا وفينزويلا، وكشفت هذه الإجراءات منذ عقود أن النظام المالي الغربي ليس محايداً سياسياً؛ بل مشروط بالاصطفاف الجيوسياسي. ومع ذلك، لم تؤدِّ الحالات السابقة إلى زعزعة جدية للثقة العالمية بجوهر النظام، لأن وزن الدول المستهدفة في الاقتصاد العالمي يمكن الاستغناء عنه، لغياب الثقل الدولي الهيكلي القادر على إحداث صدمة في أنظمة تسيير الاحتياط المالي على المستوى العالمي.

أمّا الحالة الروسية فشكّلت نقطة انعطاف حقيقية بسبب “هوية الهدف”، فللمرة الأولى تجد قوة نووية وعضو في مجموعة العشرين، ومصدِّر رئيسي للطاقة والمواد الأولية، احتياطاتها السيادية مجمّدة بقرار سياسي. قرار تجميد ما يقارب 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي، مثّل تصعيداً نوعياً في تسليح النظام المالي، وقوّض نهائيا الثقة في الأعراف الراسخة في التعامل مع أصول البنوك المركزية.

تجميد الاحتياطيات الروسية، شكل لحظة مفصلية في تآكل النظام القائم على هيمنة الدولار، وبعث برسالة لا لبس فيها إلى بقية العالم، بأن الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي لا يضمن الحصانة من العقاب الجيوسياسي. لكن التجربة الروسية أظهرت من جهة أخرى، أن الإقصاء المالي، رغم كلفته الباهظة، ليس بالضرورة قاتلاً لدولة كبيرة، غنية بالموارد، وتتمتع بقدرات عسكرية رادعة. إذ واصلت روسيا تصدير الطاقة، وأعادت توجيه تجارتها، وطوّرت آليات تسوية بديلة، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي. والدرس الذي استخلصته دول كثيرة هو أن الاعتماد المالي على عملات الغرب دون استقلال استراتيجي بات مخاطرة غير مقبولة.

من هنا، تسارعت وتيرة تنويع الاحتياطيات في كثير من الدول بما فيها الغربية، لا بدافع أيديولوجي، بل كخيار عقلاني لإدارة المخاطر. فزيادة حيازة الذهب، وتجريب العملات غير الغربية، والسعي لتطوير أنظمة دفع بديلة، كلها تعبيرات عن تحوّط استراتيجي، لا عن قطيعة كاملة مع النظام القائم؛ وقد تحولت الثقة من عامل مسلّمٍ به إلى عامل مشروطٍ.

العودة الى جيو- سياسة البرّ ونهاية الهيمنة الدّولارية

يتقاطع التحول المالي المشار إليه، مع تغير أعمق في الجغرافيا السياسية العالمية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت الهيمنة الأميركية على نموذج بحري- مالي، ورثته عن بريطانيا، قام على التفوق البحري، والسيطرة على الممرات البحرية، والقدرة على تنظيم التجارة العالمية، وتدفقات رأس المال. واستفاد هذا النموذج من تفكك الكتلة الأوراسية البرية، وافتقادها لمنافسين قارّيّين متكاملين.

غير ان الوضع تغير، فالتكامل البري في أوراسيا، عبر خطوط الطاقة، والسكك الحديدية، والاتفاقيات التجارية الإقليمية، والتنسيق الاستراتيجي بين الصين وروسيا، قلّص الاعتماد على الممرات البحرية والبنى المالية الغربية. وقد نبّه مفكرون جيوسياسيون كلاسيكيون منذ بدايات القرن الماضي، وأهمهم الإنجليزي هالفورد ماكندر، إلى أن اندماج “قلب العالم” الأوراسي سيقوّض القوى البحرية، وهو ما يبدو اليوم أكثر راهنيّة وإن بصيغ معاصرة. فالقوة البحرية لم تختفِ، لكنها لم تعد كافية وحدها لضمان التفوق.

ويعكس التوجه الأمريكي الجديد، تكيّفاً اضطراريا مع عالم تتراجع فيه القدرة على فرض قواعد كونية واحدة. فحين تصبح الهيمنة الشاملة مكلفة، تزداد أهمية القرب الجغرافي وعمق المجال القاري والتكامل البنيوي في المحيط المباشر. فالولايات المتحدة الامريكية، وبالرغم من حضورها في جميع أنحاء العالم بقرابة 850 قاعدة عسكرية، تحتاج إلى التكثيف الجغرافي من غرينلاند إلى الشيلي. وهذا ما ذهب إليه أحد المحللين عندما اعتبر أن “واشنطن مجبرة على التسليم بنهاية أمريكا العظمى والقبول بموقع أمريكا العظيمة التي تقتضي التحكم في أمريكا الكبيرة”.

ومقارنة بفنزويلا، لا تُعد كندا والمكسيك بالضرورة مهدّدتين بالإخضاع القسري من قبل واشنطن، لأنهما شريكين مسيطرٌ عليهما بترابط تبادلي بنيوي. أما غرينلاند، فتكتسب أهميتها أساساً من موقعها في الجغرافيا القطبية، ويمكن أن يتم ضمّها قسرا واستغلال الأزمة لفك الارتباط مع أوروبا والتخلص من الحلف الأطلسي وأعبائه. وقد تتوصل واشنطن إلى حل وسط مع الدانمارك، يُبقي انتماء الجزيرة المعنوي للعرش الدنماركي، مقابل استغلالها جيوسياسيا دون قيود. وستكون الصيغة بمثابة ضمّ للقُدُرات دون تغيير للوضع القانوني.

ويقودنا ما سبق، إلى استنتاج أن الولايات المتحدة قد لا تتّبع خطة متماسكة ومسترسلة للضم أو الهيمنة الإقليمية، بقدر ما تتجه نحو تعزيز الصلابة القارية (اقتداء بأوراسيا).  فكندا وغرينلاند والمكسيك، وأميركا اللاتينية عموما، لا تندرج ضمن سلّمٍ تصاعدي للضّم، ولا تُعامَل بنمط موحّد. ومع ذلك، قد نرى مستقبلا تزايدا لترابط سلاسل الإمداد الآمنة للطاقة والمعادن الاستراتيجية، والتكامل الصناعي والديمغرافي بين أميركا الشمالية والجنوبية.

ولا يعني ما تقدم أن الولايات المتحدة تتخلى عن قوتها البحرية أو دورها العالمي. فما زالت قوة بحرية كبرى، وما زال الدولار عملة مهيمنة عالمياً. لكن الجديد هو الإقرار الضمني بأن السيطرة البحرية والمالية وحدها لم تعد كافية لتسيير النظام الدولي كما في السابق. فالقوة باتت أكثر تسييساً وأكثر إقليمية، وأكثر تنازعاً، مع تصدع معلن للتحالفات والاصطفافات التقليدية، الموروثة عن ترتيبات ما بعد الحرب العالمية (الغربية) الثانية.

فلا دليل على وجود مخطط شامل موجَّه مركزياً، كما أن السياسات الأميركية ما تزال مجزأة وتفاعلية في كثير من الأحيان، وتواصُل النهج الحالي مشروط بانتخاب رئيس يلتزم بخط ترامب بعد انتهاء ولايته. كما أن تراجع الهيمنة المالية بطيء وتدريجي وليس انهيارياً. فتجميد الاحتياطيات الروسية، وتآكل الثقة المالية، وصعود القوة البرية الأوراسية، والتركيز الأميركي المتزايد على الصلابة الإقليمية، كلها تشير إلى إعادة تشكّلٍ للنظام الدولي، لا إلى سقوطه.

وفي المحصلة، العالم أمام مرحلة انتقالية طويلة، تتسم باللجوء المتزايد للحرب كأداة لضبط إيقاع العلاقات الدولية، وبتسييس الأدوات الاقتصادية. ولم تعد الثقة في انسياب المبادلات والحياد السياسي للأدوات المالية، أمراً مفروغاً منه؛ خاصة بتغييب دور الهيئات متعددة الأطراف ودورها الرقابي التحكيمي. وقد عادت الجغرافيا البرية الصلبة والتمركز الإقليمي لتفرض نفسها كعناصر حاسمة في معادلات القوة والتحوط الاستراتيجي. واللافت بقاء افريقيا خارج دائرة الفعل، في مرحلة التحول الحقبي الذي يمر به العالم حاليا، رغم ما تملكه القارة من مقومات استراتيجية، من حيث الموقع والامتداد الجغرافي، ناهيك عن الثروات والديمغرافيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى