- “سلطنة عُمان: الناجي الهادئ من الارتجاج الجيوسياسي”
- في لبنان، أعادت إيران تموضع حليفها الأساسي “حزب الله”، ضمن معادلة تتجاوز الردع العسكري نحو الشراكة السياسية الكاملة
- البحر الأحمر والممرات البحرية، حولت اليمن إلى عنصر ثابت في معادلة الردع الإقليمية
- السعودية ستتحول من رأس حربة في مشروع المواجهة ضد إيران إلى لاعب يسعى إلى إدارة التوازن
- قد يصبح التركيز الإماراتي ملتزما بالتحرك في حدود ما تسمح به الجغرافيا والديمغرافيا
- تحول قد ينقل البحرين من ساحة ضغط سياسي بارد إلى بؤرة توتر محتملة
حامد بن إبراهيم، استشاري في العلاقات الدولية 
***لوبوان- شكّل مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” إطاراً سياسياً لمشروع إعادة ترتيب المنطقة بما يضمن تفوق إسرائيل ودمجها في بيئة عربية مُعادٌ تشكيلها أمنياً واقتصادياً. غير أن الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة – وفق قراءة استشرافية لها ما يؤيدها في الواقع ـ لم تُنتج شرقاً أوسطًا جديداً، بل سرّعت انتقالاً نحو تصور بديل تسميه طهران “غرب آسيا”. وبهذا المعنى، انقلب المشروع على أصحابه: فبدلاً من تطويق إيران، اتسع مجال حركتها وتعمّقت شبكتها الإقليمية.
والفرضية المركزية هنا أن إيران أنهت الحرب عملياً في يومها الأول، ليس عمليّاتيّا، بل بتثبيت معادلة ردع متعددة الجبهات رفعت كلفة الحسم إلى مستويات غير مقبولة. ولم يتحقق الانهيار المنشود لمحورها، بل نشأت توازنات جديدة حدّت من قدرة خصومها على فرض شروطهم. ومن اليوم الثاني للمواجهة، انطلقت محاولة إعادة هندسة الإقليم لإدارة صراع طويل الأمد وفق قواعد اشتباك مختلفة.
لبنان: التحول من قوة ردع إلى شريك حاكم
في لبنان، أعادت إيران تموضع حليفها الأساسي، “حزب الله”، ضمن معادلة تتجاوز الردع العسكري نحو الشراكة السياسية الكاملة. الفكرة لا تقوم على هيمنة أحادية، بل على صيغة تحالفية تضم قوى يسارية وعروبية، وقوى أرثوذكسية وكاثوليكية ودرزية سيادية، وسُنّة خارج المحور السعودي.
هذا التموضع الجبهوي يمنح الحزب شرعية داخلية أوسع، ويحوّل لبنان إلى ركيزة أساسيّة ضمن شبكة “غرب آسيا”. فبدلاً من أن يكون ساحة مواجهة مفتوحة، يصبح منصة متقدمة لإدارة التوازن مع إسرائيل، مع توسيع الفضاء الحيوي نحو شرق المتوسط، بما في ذلك إدراج قبرص ضمن معادلات الردع البحري والجوي.
وإدخال قبرص ضمن الفضاء الحيوي اللبناني يعكس تصوراً استراتيجياً يتجاوز الحدود التقليدية. فقبرص، بحكم موقعها في شرق المتوسط، تمثل عقدة لوجستية ومنصة مراقبة بحرية هامة. وضعها ضمن “دائرة نارٍ” لا يعني احتلالاً أو مواجهة مباشرة، بل إدراجها في معادلات الردع البحري والجوي، بحيث تصبح جزءاً من الحسابات الأمنية لأي تصعيد. على هذا الأساس، يتحول شرق المتوسط إلى امتداد طبيعي لساحات الاشتباك، ما يعقّد قدرة إسرائيل وحلفائها على التحرك بحرية مطلقة.
اليمن: حتمية التسوية الداخلية والتموضع القيادي في الاقليم
في اليمن، يمثل تعزيز موقف أنصار الله نقطة ارتكاز أساسية في إعادة رسم التوازن الخليجي. فتأكيد وتوسيع نفوذ صنعاء يفرض واقعاً جديداً على كل من السعودية والإمارات، ويجعل أي انخراط عسكري واسع مكلفاً ومفتوحاً على استنزاف طويل. ولا يتعلق الأمر بطرد مباشر للفاعليْن الخليجيين من اليمن، بل بإعادة توزيع الكلفة الاستراتيجية، بحيث تنتقل المبادرة من المركز (طهران) إلى الحليف (صنعاء). ومن خلال الضغط المستمر على البحر الأحمر والممرات البحرية، يتحول اليمن إلى عنصر ثابت في معادلة الردع الإقليمية.
السعودية: نحو إعادة توازن داخلي
في السعودية، قد تدفع الضغوط الإقليمية وخاصة ثقل إيران ما بعد المواجهة إلى إعادة توزيع داخلي للسلطة، عبر تعزيز دور القبائل القريبة من اليمن وتقوية الاعتدال العقائدي (المذاهب السّنيّة الأربعة والصوفية في مقابل السّلفية)، وإعطاء مساحة أوسع للمكوّن الشيعي في المنطقة الشرقية. الهدف ليس زعزعة النظام، بل إعادة صياغته ليصبح أكثر ميلاً إلى التسويات الإقليمية وأقل اندفاعاً في المواجهة. بهذا، تتحول المملكة من رأس حربة في مشروع المواجهة ضد إيران، خاصة في السياق الابراهيمي والتطبيع، إلى لاعب يسعى إلى إدارة التوازن، تجنباً لفتح جبهات متعددة وكاسرة في وقت واحد.
الإمارات: تعديل الدّور وكبح الطموح
الامارات، وخاصة إمارتي دبي وأبو ظبي، تمثل نموذجاً اقتصادياً حداثياً متحالفاً مع الغرب وإسرائيل. وحسب القراءة الإيرانية، التي تشاركها فيها بعض التيارات السنية غير الخليجية، يُنظر إلى هذا النموذج باعتباره منفصلاً عن السياق العقائدي والاجتماعي المحافظ للمنطقة. وتعديل الدور الإماراتي لا يعني إسقاطه، بل الحد من طموحه الإقليمي عبر الضغط الجيوسياسي وتقييد تحالفاته. ومع استمرار الاستنزاف في اليمن وتراجع هامش المناورة الخليجي، قد يصبح التركيز الإماراتي أكثر انكفاءً على الداخل الاقتصادي وأقل اندفاعاً في مشاريع إعادة تشكيل الإقليم، فضلا عن الالتزام بالتحرك في حدود ما تسمح به الجغرافيا والديمغرافيا. هذا التوجه ليس مرتبطا فقط بتموضع إيران كقوة إقليمية رئيسية بعد الحرب، بل ظهرت بوادره خلال المواجهة الأخيرة مع السعودية في اليمن واضطرارها للانسحاب مع الانفصاليين.
البحرين: من الضغط السياسي الداخلي إلى احتمال الاشتباك العسكري
في البحرين، لم يعد المشهد محصوراً في مدى تمكُّن إيران من الدفع نحو تحقيق إصلاحات سياسية تدريجية لتحسين أوضاع الشيعة، لأن احتضان المنامة للأسطول الخامس الأمريكي، حولها إلى نقطة تماس مباشرة في أي تصعيد إيراني–أميركي.
والسيناريو الأكثر خطورة بالنسبة للمنامة، يتمثل في احتمال تصعيد أمني أو عسكري محدود يستهدف الوجود الأميركي، خاصة إذا تعرّض جسر الملك فهد الرابط مع السعودية لتعطيل طويل. في هذه الحالة، تتحول البحرين إلى جزيرة معزولة استراتيجياً، ويصبح الاقليم بأكمله أمام اختبار غير مسبوق لاستقرار وربما ديمومة إحدى ممالك الخليج، تحت ضغط تغير موازين القوى الإقليمية. هذا التحول ينقل البحرين من ساحة ضغط سياسي بارد إلى بؤرة توتر محتملة قد تعيد تعريف حدود المواجهة في الخليج.
سلطنة عُمان: الناجي الهادئ من الارتجاج الجيوسياسي
وسط الارتجاج الجيوسياسي الذي يمر به الاقليم، تبدو سلطنة عُمان وكأنها الناجي الوحيد نسبياً. فقد حافظت مسقط على سياسة “الحياد الإيجابي” تجاه جميع الأطراف، فاحتفظت بعلاقات مفتوحة مع إيران، ولم تقطع جسورها مع الخليج أو الغرب.
خصوصية عُمان العقائدية، القريبة في بعض جوانبها من المزاج الشيعي من حيث البعد عن الاستقطاب، منحتها مرونة إضافية في إدارة التوازن. كما أنها لم تنخرط في سياسات تصادمية أو محاور هجومية ضد أشقاء عرب، بل اختارت الوساطة والتهدئة. هذا الخيار الاستراتيجي جعلها أقل عرضة للاستهداف، وأكثر قدرة على لعب دور جسر التواصل في مرحلة الاستقطاب الحاد. وفي حال ترسّخت معادلة “غرب آسيا”، قد تتحول عُمان إلى قناة تواصل رئيسية بين ضفتي الصراع، مستفيدة من سجلها في الوساطات الإقليمية.
وفي المحصلة يمكن القول إن “غرب آسيا الجديد” مفهوم يتجاوز الجغرافيا، فالتحول من “الشرق الأوسط” إلى “غرب آسيا” ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل إعادة تعريف لمركز الثقل. فبدلاً من منظومة تقودها إسرائيل وتضمنها واشنطن، تتشكل شبكة قوى إقليمية متداخلة وتتوزع فيها مراكز القرار بين طهران وأنقرة وإسلام آباد، وربما القاهرة، التي قد تجد في تراجع أدوار قوى إقليمية أو قطبية أخرى وتعثر مشروع “الشرق الأوسط الجديد” فرصة لإعادة تثبيت حضورها كعامل توازن ببعد عربي تقليدي له مبرراته التاريخية والديمغرافية.
كما أن تعطل المخطط الإسرائيلي الأمريكي لا يعني نصراً نهائياً للطرف المقابل، بل تحولاً في قواعد اللعبة. فالمشاريع الكبرى لإعادة هندسة المنطقة غالباً ما تُنتج نتائج غير متوقعة. و”غرب آسيا الجديد” ليس نظاماً مستقراً، بل مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة التحالفات والهويات والحدود الاستراتيجية. وبالنسبة للقضية الفلسطينية، قد تؤثر التحولات الإقليمية على موازين القوى بين الفصائل، إذ يمكن لإيران، عبر شبكتها في لبنان واليمن، أن تدعم بعد الحرب تحالفات معينة لتعزيز نفوذها وتوجيه خيارات الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لخدمة مصالحها الإقليمية.
وعجز الحلفاء الغربيين عن فرض التحول لا يعني بالضرورة نهاية الصراع بين إيران والمنافسين في الاقليم، بل انتقاله من محاولة الحسم السريع إلى إدارة توازن معقد طويل الأمد. فكل ساحة – من لبنان إلى اليمن، ومن السعودية إلى البحرين – تصبح جزءاً من لوحة استراتيجية واحدة. وستلعب الممرات البحرية والطاقة والتقدم التكنولوجي- خاصة التقنية الصاروخية والذكاء الاصطناعي- دوراً محورياً في تحديد خيارات القوى الإقليمية ضمن شبكة “غرب آسيا”. لكن “غرب آسيا الجديد” يبقى حتى الآن توصيفاً انتقالياً أكثر منه نظاماً مستقراً. فالمنطقة قد تدخل بعد الحرب مرحلة توازن ردع مرن ومفتوح، لا شرق أوسطٍ جديدٍ مكتمل المعالم، ولا غرب آسيا جديد محسوم القيادة.
وبين الردع والانفجار، يبقى السؤال مفتوحاً: أيُّ مستقبل للاتفاقات الابراهيمية ولقطار التطبيع ولمشاريع الربط بين الهند وإسرائيل عبر الخليج؛ وهل ستستقر المنطقة على توازن قوى جديد، أم أن ارتجاجها الجيوسياسي قد يقود إلى موجة أخرى من الصدام قبل تحقق إعادة التشكيل؟





