تثير مسألة العدالة الجبائية في تونس نقاشا متزايدا في الأوساط الاقتصادية والسياسية، خاصة مع تصاعد الضغوط المالية التي تواجهها الدولة وتزايد شعور فئات واسعة من المواطنين بأن العبء الضريبي لا يتوزع بشكل عادل. وفي هذا السياق، وفي اطار برنامج “سافوار ايكو” الممول من قبل “اكيرايس فرانس”، تقدم دراسة أعدتها الباحثة لميـس توايتي، المكلفة بملف المالية العمومية في منظمة البوصلة، قراءة تحليلية معمقة لواقع ضريبة الدخل على الأشخاص الطبيعيين في تونس، باعتبارها الأداة الرئيسية للجباية المباشرة وأحد أبرز مكونات النظام الضريبي.
وتكشف الدراسة أن ضريبة الدخل تمثل اليوم أحد أهم مصادر تمويل الميزانية. فبحسب التقديرات الواردة في قانون المالية لسنة 2025، تشكل هذه الضريبة حوالي 28 بالمائة من مجموع الموارد الجبائية للدولة. غير أن هذا الوزن الكبير يطرح في المقابل تساؤلات حول توزيع العبء الضريبي، خاصة إذا ما قورن بمساهمة الضريبة على الشركات التي لا تتجاوز 14.5 بالمائة من الموارد الجبائية. وهو ما يعزز الانطباع السائد لدى كثير من التونسيين بأن الأجراء يتحملون النصيب الأكبر من الضغط الجبائي مقارنة بالمؤسسات أو أصحاب رؤوس الأموال.
نظام جبائي يعتمد كثيرا على الأجراء
يشير تحليل بنية النظام الجبائي التونسي إلى أن جزءا كبيرا من الموارد الجبائية يأتي من الضرائب غير المباشرة مثل الأداء على القيمة المضافة، في حين تمثل الضرائب المباشرة حوالي 43 بالمائة من الموارد الجبائية. وداخل هذه الفئة تحتل ضريبة الدخل على الأشخاص الطبيعيين موقعا مركزيا.
غير أن خصوصية هذه الضريبة تكمن في أنها تُقتطع في أغلب الحالات مباشرة من الأجور عبر نظام الاقتطاع من المصدر، وهو ما يجعل الأجراء الفئة الأكثر التزاما بدفع الضريبة. وفي المقابل، تواجه الإدارة الجبائية صعوبات كبيرة في مراقبة التصريحات المتعلقة ببقية مصادر الدخل، خاصة المداخيل المهنية أو مداخيل رأس المال.
وتظهر الأرقام حجم هذه الإشكالية. ففي سنة 2019، لم يتجاوز معدل التصريح بالمداخيل لدى الأشخاص الطبيعيين نحو 60 بالمائة، بينما تخلف أكثر من 40 بالمائة من المطالبين بالتصريح عن القيام بذلك في الآجال القانونية. ويؤدي هذا الوضع إلى شعور واضح بعدم المساواة بين الأجراء الذين يدفعون الضريبة بشكل آلي، وبقية الفئات التي قد تتمكن من تقليص مساهمتها الضريبية عبر التصريح الناقص أو التهرب الجبائي.
“الانزلاق الضريبي” يضغط على الطبقة الوسطى
تسلط الدراسة الضوء كذلك على ظاهرة اقتصادية مهمة تعرف باسم الانزلاق الضريبي. وتحدث هذه الظاهرة عندما ترتفع الأجور الاسمية نتيجة التضخم، دون أن يصاحب ذلك تحسن فعلي في القدرة الشرائية. وفي ظل عدم تعديل سلم الضريبة بشكل دوري ليتماشى مع التضخم أو مع تطور الأجر الأدنى المضمون، يجد العديد من دافعي الضرائب أنفسهم ينتقلون تلقائيا إلى شرائح ضريبية أعلى.
وتكون الطبقة الوسطى الأكثر تضررا من هذا الوضع، لأنها تمثل الجزء الأكبر من دافعي ضريبة الدخل، كما أنها تتركز في الشرائح الضريبية المتوسطة التي تشهد معدلات اقتطاع مرتفعة نسبيا. ومع تواصل ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة، أصبح العديد من الموظفين يشعرون بأن جزءا متزايدا من زيادات أجورهم يذهب مباشرة إلى الضرائب دون أن ينعكس على مستوى معيشتهم.
تفاوت واضح بين ضرائب العمل ورأس المال
إحدى النقاط التي تثير الجدل في النظام الجبائي التونسي تتعلق بطريقة معاملة مختلف أنواع الدخل. فبينما تخضع مداخيل العمل لسلم ضريبي تصاعدي قد يصل إلى نسب مرتفعة، يتم في المقابل فرض ضرائب على العديد من مداخيل رأس المال وفق نسب موحدة أقل بكثير.
فعلى سبيل المثال، تخضع الأرباح الموزعة أو بعض العائدات المالية في كثير من الحالات لنسبة ضريبية في حدود 10 بالمائة فقط. ويؤدي هذا التفاوت إلى وضعية لافتة: إذ يمكن أن يدفع موظف يتقاضى 50 ألف دينار سنويا ما يقارب 13 ألف دينار كضريبة على الدخل، في حين لا يدفع شخص يحصل على المبلغ نفسه في شكل أرباح مالية سوى نحو 5 آلاف دينار.
وترى الدراسة أن هذا التفاوت يطرح إشكالا حقيقيا على مستوى العدالة الجبائية، لأنه يضع مداخيل العمل في موقع أقل تفضيلا مقارنة بمداخيل رأس المال، وهو ما قد يؤثر بدوره على خيارات الاستثمار وتوزيع الثروة داخل المجتمع.
ضغط جبائي مرتفع على العمل
من جهة أخرى، تشير الدراسة إلى أن ما يسمى «الفارق الجبائي الاجتماعي» في تونس يظل مرتفعا نسبيا. ويقصد بهذا المفهوم الفرق بين كلفة العمل بالنسبة إلى المؤسسة، أي الأجر الخام مضافا إليه المساهمات الاجتماعية، وبين الأجر الصافي الذي يتحصل عليه العامل بعد اقتطاع الضرائب والمساهمات.
ويصل هذا الفارق في تونس إلى ما بين 35 و40 بالمائة من كلفة العمل، وهو مستوى يعتبر مرتفعا مقارنة بعدد من الدول المشابهة. ويؤدي ذلك إلى نتيجتين أساسيتين: من جهة يحد من قدرة المؤسسات على الانتداب في القطاع المنظم، ومن جهة أخرى يقلص الدخل الصافي الذي يحصل عليه العامل، مما يجعل العمل غير المصرح به أكثر جاذبية في بعض الحالات.
إدارة جبائية تواجه تحديات كبيرة
لا تقتصر مشاكل النظام الجبائي التونسي على بنية الضرائب فحسب، بل تمتد أيضا إلى طريقة إدارتها. فالدراسة تشير إلى وجود عدة نقائص داخل الإدارة الجبائية، من بينها محدودية الموارد البشرية المخصصة للمراقبة، وتشتت أنظمة المعلومات، وضعف التنسيق بين مختلف المؤسسات المعنية مثل الجباية والديوانة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
كما أن غياب نظام معلوماتي متكامل يسمح بتبادل المعطيات بين هذه المؤسسات يجعل من الصعب تتبع مختلف مصادر الدخل لدى بعض دافعي الضرائب، وهو ما يسهل عمليات التصريح الناقص أو التهرب الضريبي.
إصلاحات مطلوبة لإعادة التوازن
في ضوء هذه المعطيات، تقترح الدراسة جملة من الإصلاحات الرامية إلى تعزيز العدالة الجبائية وتحسين مردودية النظام الضريبي. ومن بين أبرز هذه المقترحات مراجعة سلم ضريبة الدخل بشكل دوري وربطه بمؤشرات مثل التضخم أو الأجر الأدنى المضمون، وذلك لتفادي ظاهرة الانزلاق الضريبي وحماية القدرة الشرائية.
كما تدعو إلى تعزيز الطابع التصاعدي للضريبة عبر إدخال شرائح إضافية ورفع نسب الضريبة على الدخول المرتفعة، بما يسمح بإعادة توزيع أفضل للثروة.
ومن بين التوصيات الأخرى تحديث الإدارة الجبائية عبر الرقمنة وتطوير أنظمة تبادل المعلومات بين المؤسسات المختلفة، إضافة إلى تعميم التصريح الإلكتروني وتبسيط الإجراءات الجبائية.
وتقترح الدراسة أيضا التخفيف من المساهمات الاجتماعية على الأجور الضعيفة بهدف تشجيع التشغيل في القطاع المنظم، مع العمل في المقابل على توسيع القاعدة الجبائية وتحسين آليات تتبع المداخيل.
الجباية… ركيزة العقد الاجتماعي
في نهاية المطاف، تؤكد الدراسة أن النقاش حول الضرائب في تونس يتجاوز الجوانب التقنية والمالية، ليصل إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمواطنين. فالجباية تمثل أحد أهم أركان العقد الاجتماعي، لأنها تقوم على مبدأ بسيط: مساهمة المواطنين في تمويل الدولة مقابل حصولهم على خدمات عمومية وفرص عادلة.
لكن عندما يشعر جزء مهم من المجتمع بأن العبء الجبائي غير موزع بشكل عادل، فإن ذلك قد يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات وإضعاف الالتزام الضريبي. ومن هنا تبرز أهمية الإصلاحات المقترحة التي لا تهدف فقط إلى زيادة الموارد المالية للدولة، بل أيضا إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والنظام الجبائي وترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية.





