
بقلم: يوسف بن عثمان،
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية بفرنسا 
لم تكن الجالية التونسية أكثر فاعلية وجدوى وإفادة للمالية العمومية ممّا كانت عليه في السنوات الأخيرة حيث تحوّلت تحويلات التونسيين إلى المصدر الأول للدولة من العملة الصعبة. وقد بلغت في سنة 2025 نسبة 6% على أساس سنوي، لتبلغ 8761,6 مليون دينار، مقابل 8096,9 مليون دينار أي ما يعادل 6–7% من الناتج المحلي الإجمالي. وهو رقم يفوق عائدات قطاعات حيوية مثل السياحة أو الفسفاط في بعض السنوات.
التونسيون بالخارج لم يعد ممكنا ولا مقبولا أن ينظر لهم على أنهم ثروة مادية فقط إنما هم ثروة بشرية حيث ان عددا كبيرا منهم يمسكون مناصب عليا في مؤسسات عالمية كبرى والكثير منهم ناجحون كرجال أعمال وأصحاب مشاريع. هذا فضلا عن شبابنا من الجيل الثاني والثالث وهم يدرسون في أحسن الجامعات ووجب من الآن احتضان
وبالتالي فكل هؤلاء هم قيمة مضافة حقيقية وجب أن يتم حسن التعامل معها بإشراكها في دوائر المقترحات التنموية ودوائر القرار.
وهذا لن يتم سوى بإحداث وزارة خاصة بهم خبرات مقيمة أو أقامت بالخارج على دراية بكل الإشكاليات والايجابيات على غرار الدول التي استفادت من جاليتها مثل ماهو موجود في مصر من خلال “وزارة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج” أو “وزارة السنغاليين في الخارج” وكذلك في الهند ولبنان وغيرها من الدول التي لديها جالية كبرى في الخارج.
أما ديوان التونسيين بالخارج فلم يعد الإطار الأمثل لاستيعابهم وأصبح عاجزا عن توظيف هذه الثروة المادية والبشرية. كذلك إلحاق الجالية بوزارة الخارجية لم يعط الإضافة اللازمة نظرا لحجم المهام الثقيلة المسندة لهذه الوزارة.
ومع أن الجالية التونسية بالخارج تحظى بمكانة مميزة في الخطاب الرسمي، حيث تُوصَف بأنها «ثروة وطنية استراتيجية» و«رافعة تنموية». غير أن هذه المكانة سرعان ما تتضح حدودها عند الانتقال من الخطاب إلى الفعل، إذ تُختزل هذه «الثروة» في قيمة التحويلات المالية. وما عدا ذلك، فيبدو أن الرأسمال البشري، والمعرفي، والمهني للجالية الذي تحدّثنا عنه لا أهمية له .
وهذا التباين بين الخطاب الرسمي وترجمة هذا الخطاب إلى مشاريع وقوانين عادة ما يصطدم ببيروقراطية الإدارة وتعطيلها بالتقصير أو التعطيل أو بضيق أفق التصور.
ثروة مهدورة وأيادي مرتعشة
تعدّ الجالية التونسية من أكبر الجالية في العالم مقارنة بعدد السكان حيث تبلغ حوالي مليوني شخص ما يناهز 15% من مجموع السكان. وهي جالية متمركزة أساسًا في أوروبا، خصوصًا فرنسا وإيطاليا وألمانيا، إضافة إلى كندا ودول الخليج. أما من حيث التحويلات المالية، فقد تجاوزت في السنوات الأخيرة 8 مليارات دينار سنويًا.
بهذا المعنى، أريد للجالية أن تمنح وظيفة اقتصادية مركزية دون أن تُمنح صفة الفاعل الاقتصادي. فهي تساهم في دعم الاحتياطي من العملة الصعبة، وتخفيف الضغط على الميزان الجاري، وتمويل الاستهلاك العائلي، وكل ذلك من دون أي تدخل في التصورات والقرارات وهو ما يجعلها شريكًا مريحًا ومربحا.
في المقابل، تغيب سياسات ادخار أو استثمار موجهة للجالية. فلا توجد أدوات مالية مبتكرة، ولا حوافز ضريبية ذكية، ولا قنوات استثمار إنتاجي واضحة. ويُترك المغترب وحيدًا أمام خيارين: إما تحويل الأموال للاستهلاك، أو استثمار فردي محفوف بالتعقيد الإداري والمخاطر القانونية. وفي الحالتين، لا يُنتظر منه رأي أو مشاركة في تحديد الأولويات الوطنية.
تنفق الدولة التونسية سنويًا موارد معتبرة على التعليم العالي، في حين تشير التقديرات إلى أن أكثر من 30% من الأطباء التونسيين، ونسبًا مرتفعة من المهندسين والباحثين، يعملون في الخارج. وبعبارة أوضح: الدولة تموّل التكوين، والاقتصادات الأجنبية تجني القيمة المضافة.
ورغم ذلك، لا يبدو أن هذا النزيف يثير قلقًا استراتيجيًا. فهجرة الكفاءات تُدار بسياسة الصمت، ثم تُعاد صياغتها خطابيًا بوصفها «إشعاعًا تونسيًا في الخارج». أما برامج الاستفادة من الكفاءات، فغالبًا ما تقتصر على ملتقيات موسمية، وصور تذكارية، وتوصيات غير ملزمة، دون إدماج حقيقي في منظومة القرار أو المشاريع الوطنية الكبرى.
تمثيل بلا تأثير
على المستوى المؤسساتي، ورغم وجود آليات تمثيل للجالية، فإن هذا التمثيل يظل رمزيًا أكثر منه وظيفيًا. فالمغتربون لا يشاركون فعليًا في صياغة السياسات الاقتصادية، ولا يُستشارون في الخيارات الإستراتيجية، ولا يُنظر إليهم باعتبارهم فاعلين في الدبلوماسية الاقتصادية. ويبدو أن وظيفة هذا التمثيل هي تأكيد الوجود لا الاعتراف بالخبرة.
أما العمل القنصلي، فيظل محصورًا في الخدمات الإدارية، في وقت نجحت فيه دول أخرى في تحويل جالياتها إلى شبكات نفوذ اقتصادية وعلمية ولوبيات ضغط فاعلة. في الحالة التونسية، يُطلب من الجالية الكثير من الصبر… والقليل من الكلام.
أزمة تصور لا أزمة موارد
في العمق، لا يكمن الإخفاق في نقص الإمكانيات، بل في ضيق الأفق التصوري. فالادارة التونسية تتعامل مع الجالية بعقل إداري محافظ، وتُبدي حذرًا مفرطًا من الفاعلين المستقلين في الخارج. وبعبارة أكثر صراحة: كفاءاتننا في الداخل واداراتنا مرتاحة مع جالية تُرسل الأموال، لا مع جالية تُرسل الأفكار.
آفاق الإصلاح: يعني الشراكة… لا الجباية المؤجلة
تجاوز هذا الوضع يقتضي الانتقال من منطق الاستخلاص إلى منطق الشراكة. ويشمل ذلك:
-تطوير أدوات الاستثمار و الادخار المخصصة للجالية.
-ربط الحوافز بالاستثمار الإنتاجي لا بالاستهلاك.
-بلورة سياسة وطنية موجهة للكفاءات بالخارج تقوم على الإدماج المرن، بما في ذلك العمل عن بُعد والمشاريع المشتركة.
-إدماج الجالية في الدبلوماسية الاقتصادية، وتحويل السفارات إلى منصات شراكة.
-إرساء آليات تمثيل قائمة على الاختصاص والتأثير لا على الرمزية.
عود على بدء
إن الإشكال لا يتمثل في مدى التزام الجالية أو انتمائها، بل في نمط إدارة عمومية يختزلها في بعد مالي ضيق. فالجالية التونسية ليست حسابًا بنكيًا موزعًا على القارات، بل هي رأسمال بشري ومعرفي قادر على الإسهام في التنمية، إذا ما وُضعت له السياسات المناسبة.
في النهاية، لا يتعلق الخيار بالاستفادة من الجالية أو تجاهلها، بل بفكرين اقتصاديين واحد يحصي التحويلات، واخر يسعى لبناء شراكات. وبين الخيارين، تضيع فرصة تاريخية… بابتسامة إدارية هادئة.




