لوبوان تي ان:
بعد أن اُستدل الستار على المؤتمر الاستثنائي السادس والعشرين للاتحاد العام التونسي للشغل، المنعقد بالمنستير خلال 25 و26 و27 مارس 2026، وما أفرزه من قيادة جديدة، تتجه الأنظار نحو مرحلة مفصلية نتمنى لها فيها النجاح، خاصة في ما يتعلق بالقطع مع ممارسات ما بعد 2011.
غير أن هذا التحول لم يمنع من عودة الحديث بقوة عن أزمة الاتحاد، وعن حجم الخلافات والاحتقان داخل البيت النقابي. وهي أزمة لم تكن وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات صنعتها ممارسات بعض المتمعشين من العمل النقابي، الذين حوّلوه إلى مجال للمساومة على مصالح العمال، واستغلوا المنظمة لخدمة أجندات حزبية ضيقة ومصالح فئوية. وهو ما أشار إليه القيادي السابق بالمركزية النقابية بلقاسم عيفة في إحدى الإذاعات الخاصة في تونس.
في المقابل، نجحت رئاسة الدولة في وضع حدّ لهيمنة هذه الأطراف، من خلال فرض واقع جديد أنهى حالة الإستقواء على مؤسسات الدولة، وسحب منها “الورقة الاجتماعية” التي طالما تُستخدم كورقة ضغط.
وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها حين أقدمت القيادة المركزية على الانقلاب سنة 2021 على الفصل 20 من القانون الاساسي – بعد بدعة مؤتمر غير انتخابي- هذا الفصل الذي يحدد سقف الترشحات للمركزية النقابية بدورتين فقط، و الذي كان يُعدّ مكسبًا تاريخيًا للنقابيين، ثمرة تضحيات أجيال متعاقبة. ولم يكن ذلك معزولًا عن ممارسات سابقة تمثلت في توظيف المنظمة لخدمة أجندات سياسية، مستفيدة من ضعف الدولة خلال فترة الثورة والانتقال الديمقراطي، إلى درجة جعلت هذه القيادة تعتبر نفسها شريكًا سياسيًا فعليًا دون أن تكون حزبًا رسميًا.
واليوم، وبعد المؤتمر، يبرز مطلب المحاسبة كضرورة ملحّة، سواء فيما يتعلق بالتصرف في أموال الاتحاد أو بممارسات قياداته خلال “العشرية النقابية السوداء”. وهي فترة يُحمّلها كثيرون مسؤولية الإضرار بالاقتصاد وتعطيل الإنتاج، نتيجة الإضرابات والاعتصامات العشوائية التي أثّرت حتى على السير العادي للتعليم بلغ حد تفعيل سنة دراسية بيضاء سنة 2016، في سابقة لم تعرفها تونس منذ الاستقلال.
لم يعد المجال يتسع للتبرير أو الصمت. لقد حان وقت المحاسبة الصارمة: محاسبة على أموال هُدرت، وعلى سنوات ضاعت، وعلى أجيال تضررت، وعلى اقتصاد دفع المواطن كلفته الباهظة.
فلأول مرة منذ تأسيس الاتحاد سنة 1946، عاشت تونس فترة الانتقال الديمقراطي هذا المستوى من التعطيل المتواصل والتوتر الدائم، حيث تحوّل الإضراب من وسيلة استثنائية إلى أداة ضغط شبه دائمة، في قطيعة واضحة مع تاريخ المنظمة، حتى في أكثر مراحله صدامًا، حيث أسفرت أيام الإضرابات خلال الفترة ما بين 2010 و2018، وفقًا لبيانات مكتب الدراسات والتخطيط والبرمجة بوزارة الشؤون الاجتماعية، عن ضياع ما يقارب مليوني يوم عمل (1,957,462).
لذلك، فإن توصيف هذه المرحلة بـ”العشرية النقابية السوداء” ليس مبالغة في القول، بل أنه يعكس شعور شريحة واسعة من التونسيين بأن ما حدث بين 2011 و2021 لم يكن كله دفاعًا عن الحقوق النقابية للعمال بقدر ما كان في جزئه الاكبر منه انفلاتًا تحكمه خلفيات سياسية، خاصة في قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والنقل الحديدي، ومناجم الفسفاط، مما عطّل سير الحكومات المتعاقبة وارهقها وراهن بمستقبل الأجيال.
واليوم، لم يعد السؤال: من الأقوى؟ بل من سيحاسب من استنزف مقدرات الدولة، ووضع وطنًا بأكمله على حافة الشلل؟
لقد حان الوقت لقولها بكل وضوح: لا إصلاح بدون محاسبة، ولا استعادة للاتحاد دوره التاريخي التعديلي إلا بتحييده عن أذرع الاستغلال السياسي الحزبي والفئوي.
بقلم الكاتب محمد علي العماري




