أراء

إيران: “وليُّ الدّم برتبة ولاية الفقيه” أو حين تصنع المأساة العائلية رمزية القائد

حامد بن إبراهيم/ استشاري في العلاقات الدولية

في السياسة، لا تصنع المؤسسات والتزكية الشعبية وحدها شرعية القادة. فإلى جانب الشرعية الدستورية، المستمدة من مسار إجرائي، توجد طبقة أخرى شديدة التأثير وإن كانت أقل تجليّا، وهي “الشرعية الرمزية”. هذه الشرعية لا تنبع من النصوص أو الهياكل الرسمية، بقدر ما تتشكل من السرديات الشخصية، ومن قدرة القائد على تجسيد تجربة جماعية من الصمود والجَلَدِ والتضحية. وفي المجتمعات التي تمتزج فيها السياسة بالدين والتاريخ الرمزي، تصبح المأساة الشخصية أحيانًا مصدرًا لقوة معنوية لها مفاعيلها ويصعب تجاهلها.

وفي علم الاجتماع السياسي، يشير مفهوم “الرأسمال الرمزي” الذي طوره عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، إلى المكانة المعنوية التي تمنح صاحبها قدرة على التأثير تتجاوز سلطته الرسمية. النظرية، تشرح كيف يمكن للسمعة، أو التاريخ الشخصي، أو التجربة النضالية، أن تتحول إلى مصدر قوة حقيقي داخل الحقل السياسي. فالقائد الذي دفع ثمنًا شخصيًا في خضم الصراع، يكتسب نوعًا من الشرعية الأخلاقية تجعله يتمايز عن نظرائه في الكفاءة.

هذا البعد الرمزي يصبح أكثر وضوحًا في المجتمعات التي تلعب فيها الذاكرة الدينية دورًا مركزيًا في تشكيل المخيال السياسي. ومعلوم أن الحالة الشيعية، تولي فكرة الشهادة والمظلومية موقعًا محوريًا يعود جذره إلى مأساة كربلاء. فقد تحولت مأساة استشهاد الامام الحسين بن علي، مع أغلب أفراد عائلته ومناصريه، إلى نموذج أخلاقي يرمز إلى التضحية في مواجهة الظلم. ومنذ ذلك الحين، أصبحت كربلاء أكثر من حدث تاريخي؛ تشكل قاعدة لسردية كبرى تُستعاد باستمرار في الخطاب الديني والسياسي.

في هذا السياق، يمكن النظر للسيّد مجتبى حسيني خامنئي، ليس فقط بوصفه شخصية سياسية مرتبطة بمركز القرار في إيران، بل أيضًا باعتباره شخصية تحيط بها سردية مأساوية ثقيلة: فقدان أفراد من العائلة في افتتاح المعركة الوجودية للبلاد. هنا تظهر فكرة يمكن تقديمها مجازيًا بعبارة “وليّ الدم برتبة قائد”. والمقصود هنا ليس درجة أو مرتبة تستجيب لتأصيل فقهي، بل دلالة رمزية: شخص فقد أقرب الناس إليه، ويتحمل المسؤولية تحت القصف والتهديد الإسرائيلي الأمريكي بالقتل. وأكبر معضلة يواجهها بعض قادة الغرب، وتمنعهم من تقدير المواقف برؤية استراتيجية ناجحة، هي جهلهم أو تجاهلهم لجديّة المقولات المركزية في الفكر الشيعي، التي تختزل إرادة التّحدي والاستعداد للتضحية، وأهمها: ” اقتلونا فالموت لنا عادة” و “لن تمحوا أثرنا”.

هذه الصورة تفتح بابًا لفهم جانب غالبًا ما يغيب عن التحليلات السياسية التقليدية: كيف تتحول المأساة العائلية إلى رأسمال رمزي قادر على تعزيز موقع القائد داخل منظومة السلطة. فالقائد الذي يمكن ربط تجربته الشخصية بسردية الألم أو التضحية يكتسب موقعًا رمزيًا يضعه أقرب إلى مخيال “القيادة المتماهية مع المعاناة”. في مثل هذه الحالات، تتحول المأساة الخاصة إلى رسالة سياسية مفهومة؛ ويتم تلقفها تلقائيا دون أيّ جهد اتّصالي، لانّ أُسسها راسخة في الثقافة الجماعيّة.

وهنا يُفهم تداول “وليّ الدم” في النقاش الإعلامي، ليس بوصفه مفهومًا قانونيًا يُشرعِنُ الوصول الى سدة السلطة، بل بوصفه استعارة تعكس موقعًا أخلاقيًا. فالسيد مجتبى في الفهم الشيعي، وخاصة في إيران، ليس فقط القائد الذي يتحدث باسم الضحايا، بل يُنظر إليه الآن كجزء من حُرقتهم. فهو، في قلب مشهد أقرب الى السرياليّة، القائد الجديد الذي يتقبّل التعازي والتهنئة في آن واحد.  وربما كان هذا العامل المرجح في انتخابه، لأن بقية المرشحين لم يكونوا أقل درجة منه من الناحية العلمية، والكفاءة عموما.

التاريخ المعاصر يقدم أمثلة عديدة على ارتباط القادة برمزية معنوية مبنية على المظلومية. فالكثير من قادة الحركات السياسية في الشرق الأوسط اكتسبوا جزءًا من مكانتهم من خلال تجربة شخصية مع الألم أو التضحية. وفي البيئة الشيعية تحديدًا، غالبًا ما يُنظر إلى هذه التجارب من خلال عدسة رمزية تربطها، بشكل مباشر أو غير مباشر، بإرث كربلاء. وأقرب مثال يمكن استحضاره، تجربة السيد حسن نصر الله، باستشهاد ابنه هادي، ومواصلة حزب الله على نفس النهج وفاء لاستشهاده في عدوان 2024 على لبنان.

هذه الظاهرة ليست حكرًا على المجال الشيعي وحده، لكنها تأخُذ في السياق الإيراني الحالي زخما خاصا، بسبب حضور ثقافة المظلومية والشهادة في الوعي الجماعي. ففي الحركات العقائدية أو الثورية، غالبًا ما تصبح المعاناة الشخصية للقادة عنصرًا مركزيًا في بناء صورتهم العامة. السجن، النفي، فقدان الأقارب في الصراع، أو التعرض المباشر للعنف السياسي، كلها عناصر تتحول بمرور الوقت إلى جزء من “السيرة الرمزية” للمناضل عندما يتحول الى قائد. والمأساة الشخصية قد لا تمنح القائد سلطة بالمعنى القانوني المجرد، لكنها قد تمنحه شيئًا آخر لا يقل أهمية: الهيبة الأخلاقية.

والمأساة العائلية، عندما تستوعبها السردية السياسية تجد طريقها بانسيابية إلى الخطاب العام؛ ولا تبقى مجرد حدث إنساني خاص، بل تتحول تدريجيًا إلى عنصر في المعركة حول الشرعية والقيادة. الإعلام، والخطاب السياسي، والذاكرة الجماعية، كلها تساهم في صياغة هذه الصورة وإعادة إنتاجها. فالقائد الذي يدفع ثمنًا شخصيًا للصراع، يمتلك قدرة أكبر على الوصول إلى المشاعر الجماعية، وعلى تقديم نفسه بوصفه جزءًا من القصة التي يرويها النظام عن ذاته.

قد يكون من المبكّر الحكم على مدى تأثير هذه السرديات في مستقبل القيادة داخل إيران. لكنه من الثابت أنّ استلام المرشد الجديد للقيادة في إيران تحت شعار “وليّ الدم برتبة ولي الفقيه”، قد تجعله في المخيال العام ليس فقط صاحب موقع سياسي، بل انعكاسا لذاكرة الألم الجماعي، بشكل يلخص العلاقة المعقدة بين السلطة والرمز والتاريخ في الثقافة السياسية الشيعية.

وختاما، في الأنظمة ذات الطابع الثوري، قد تتحول الشرعية الرمزية كذلك إلى عامل مؤثر في علاقة القائد بمراكز القوة الصلبة، إذ تمنحه رصيدًا أخلاقيًا يُسهِّل عليه تثبيت موقعه داخل مؤسسات متمكّنة مثل الحرس الثوري، التي ترى في سردية التضحية جزءًا من عقيدتها القتالية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى