“الحدود في زمن الصراع المضبوط ليست خطوطًا جامدة، بل هوامش أمنيّة قابلة للتمدد”
“الأطراف تحولت إلى مساحات اختبار لإعادة توزيع النفوذ”
حامد بن إبراهيم/ استشاري في العلاقات الدولية 
***
في الجغرافيا السياسية لا توجد ملفات معزولة وقادرة على السير حسب ديناميكية ذاتية، فكل مواجهة كبرى تعيد ترتيب القضايا المؤجلة. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم يعد المشهد العراقي منفصلًا عن مسرح الاشتباك الأوسع. الملف الكردي هنا لا يتحرك بوصفه أزمة مستقلة، بل كجزء من لوحة إقليمية أكبر.
تعرف الفترة الراهنة تصاعدا في التوتر الميداني على الحدود بين إيران وكردستان العراق، حيث تُتناقل معلومات – بحاجة لتدقيق- حول سعي الانفصاليين الأكراد لعبور الحدود تحت غطاء جوي أمريكي – إسرائيلي. ويبدو أن القوات البرية الإيرانية، مدعومة من قبل وحدات حماية الشعب الكردية، مستعدة للتصدي للمهاجمين، والجيش الإيراني وجه ضربات جوية استباقية لمواقع داخل الاقليم. هذا التطور دفع طهران لمطالبة بغداد بالتحرك ضد هذه التهديدات، توازيا مع ما يحدث تجاه الانفصاليين البلوش الذين تعهدت باكستان بالتعامل معهم أمنيا وعسكريا.
هذه الاحداث تؤكد أن إقليم كردستان العراق أصبح جزءًا من مسرح الصراع الإقليمي، رغم أن الضغوط الإيرانية لا تزال مركزة على السيطرة على بيئة التهديدات العابرة للحدود، دون مواجهة مباشرة مع المؤسسات الرسمية للإقليم. ولا شك أن سعي إسرائيل والولايات المتحدة للعب الورقة الكردية ضد إيران تتنزل في سياق تاريخي امتد منذ عقود، ومحاولات خلط أوراق الوضع الإقليمي باللجوء للموارد البديلة (فصائل وأقاليم) متعددة، ونموذج “قسد” خير معبِّر عن ذلك.
منذ سنوات، تنفذ طهران ضربات داخل إقليم كردستان تستهدف جماعات كردية إيرانية معارضة تتخذ من الإقليم ملاذًا. هذه الضربات – مهما كان توصيفها القانوني – لها رسالة ثابتة: الحدود في زمن الصراع المضبوط ليست خطوطًا جامدة، بل هوامش أمنية قابلة للتمدد. وحسب نفس المنطق قامت إيران سابقا بتوجيه ضربات للانفصاليين البلوش داخل الأراضي الباكستانية.
وفي سياق المواجهة الحالية، لا يطال الاستهداف البنية الرسمية للإقليم بوصفه كيانًا دستوريّا وإداريًا عراقيًا، بل يتركز على نقطتين حسّاستين، الأولى تخص معارضين أكراد إيرانيين يتم التعامل معهم كامتداد لتهديد داخلي، والثانية تخص الوجود العسكري الأمريكي في الإقليم. وبالتوازي تُصعّد الفصائل العراقية الموالية لطهران ضرباتها ضد القواعد الأمريكية هناك، في نمط يبدو أقرب إلى سياسة “رفع كلفة البقاء” منه إلى مواجهة مباشرة مع أربيل نفسها.
ويمكن أن نستنتج أنّ الرسالة ليست موجهة للإقليم بقدر ما هي موجهة لواشنطن: كل تموضع عسكري في الجوار الإيراني له ثمن متصاعد. وبهذا المعنى، يجري استهداف مقومات شبكة الأمان الخارجية للإقليم التي تمكنه من الاستقواء على بغداد، مقابل توظيف مقدراته كمنصة لاحتواء إيران أو الاعتداء عليها.
وإنّ المعادلة المستهدفة من قبل إيران وحلفائها العقائديين في العراق والسلطة ببغداد، ولو بشكل غير ظاهرٍ رسميا، تتمثل في جعل الحضور الغربي مكلفًا وغير مستقر، لتتقلص قدرة الإقليم تلقائيًا على المناورة الاستراتيجية. ومن البديهي أن تَراجُع المظلة الخارجية يعيد فرض حتميّات الجغرافيا من جديد.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الصورة ليست أحادية، فالعراق نفسه ليس كتلة مذهبية صماء. وإن كان الثقل الشيعي السياسي والعسكري في بغداد يمنح طهران نفوذًا واسعًا، لكن داخل المشهد الشيعي توجد تباينات في أقلّه من حيث المرجعية الموزعة بين النجف وقم. والامر ذاته يسري على المكون الكردي، لوجود أكراد شيعة يرتبط ولاؤهم الديني بالمرجعية في النجف، مما يزيد طبقة تعقيد إضافية على المشهد. والانتماء المذهبي قد يتقدم أحيانًا على الاصطفاف القومي، ما يخفف من احتمالات الانقسام الحاد، لكنه لا يلغي حساسية الهوية الكردية.
في هذا السياق، يمكن قراءة السلوك الإيراني على أنه استراتيجية متعددة الطبقات، تقوم أولًا على إبقاء الضغط مستمرًا على الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة خارج حدودها، ما يمنع أي تجمع أو قدرة تنظيمية قد تشكل تهديدًا داخليًا. في الوقت نفسه، تسعى إيران إلى جعل الوجود الأمريكي في الإقليم مُهددًا ومكلفًا، بحيث يقلل من القدرة على التدخل المباشر أو التحرك بحرية. في المقابل، تتجنب طهران الصدام المباشر مع مؤسسات الإقليم الرسمية ما دام بالإمكان ضبط التوازن عبر بغداد، حيث يَسمح هذا التكتيك بفرض جرعات نفوذ، دون إشعال مواجهة شاملة جديدة في المستقبل. كما تستفيد طهران من الثقل الشيعي في العراق لإعادة صياغة المعادلة الأمنية تدريجيًا، ما يتيح لها إدارة النفوذ والضبط الاستراتيجي للإقليم بطريقة أكثر توازنًا وفعالية ضمن الإطار الإقليمي المعقد.
واعتبارا للنفس الطويل المعتاد في السياسة الإيرانية، فالمرجح ألا تستعجل حربًا على الإقليم، بل قد تفضل عملية إعادة ضبط لبيئته الاستراتيجية. فالهدف ليس تفكيك الكيان، بل تعريته من أي قدرة على التحول إلى منصة إقليمية مضادة. وكلما انخفضت كثافة الحضور الغربي، زادت قدرة إيران على فرض توازن أمني جديد يتماشى مع هيكلة إقليمية تتصدرها معادلات طهران وبغداد، ذات الثقل الشيعي المتجانس، مقابل أربيل والأكراد الإيرانيين الانفصاليين. وطهران التي يعترف لها اغلب المحللون بالقدرة على تدوير الزوايا، تدرك أن الضغط المفرط قد يعيد توحيد البيت الكردي بدل احتوائه.
وتبقى الحسابات مفتوحة على تعقيدات المتدخلين في المشهد، فتركيا لاعب حاضر بقوة شمال العراق، وبغداد ليست نسخة مطابقة لطهران، لأنها مضطرة للنظر جنوبا وغربا كي تؤمِّن – وتَأمَن من- جناحها العربي والسني. والولايات المتحدة التي غادرت سوريا، وسلمتها بما يشبه المقاولة من الباطن للنفوذ المشترك التركي الإسرائيلي، لم تحسم شكل تموضعها النهائي في العراق. البلد الذي تحكمه تبعية دولارية قاسية، وينظر له كمنصة لاحتواء إيران.
وكما سبق القول في مقال حديث فإنّ سعيَ نتنياهو لإرساء شرق أوسط جديد بالاستقواء بأمريكا، إرتد ليفتح الباب لتشكُّل “غرب آسيا جديد” تحت القصف الصاروخي. وهنا لا يمكن استعجال النتائج، فتكفي التفاتة قصيرة للتاريخ في الشرق لندرك، أنّ الخرائط لا تتغير اندفاعيا، بل تحتاج لمسارات شاقة ولتراكم الكُلف كي تُراجع الحسابات ويتم التحول بسلاسة. وأغلب المؤشرات توحي بأننا بصدد المرور من حقبة الغلبة الغربية، لما بعد الحرب العالمية الثانية، الى عالم متعدد الأقطاب بولادة مستعصية؛ شعارها تفضيل الحروب الإقليمية على الصدام الكوني، الذي يحمل معه الفناء الشامل بسبب خطر التسليح النووي.
وختاما، كلما اتسعت الحرب بين إيران وخصومها، تحولت الهوامش – ومنها كردستان العراق – إلى مساحات لتعيير مستوى النفوذ والاستقلالية القابلة للاحتواء. و“المصير القَسَدي” لكردستان العراق ليس بحتمية، بل احتمال قد يُستخدم كسيناريو حَسْمِي لنزع خطر العدوى ونزع حُجّية النموذج.





